الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله

عالم رباني وداعية مجاهد وأديب تميز بجمال الأسلوب وصدق الكلمات.

إنه الداعية الكبير ورباني الأمة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله.

صاحب كتاب من أشهر كتب المكتبة الإسلامية في هذا القرن، وهو كتاب: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين».

لم يكن الإمام أبو الحسن الندوي رجلاً مر على التاريخ مرور الكرام، بل كان ظاهرة فكرية رسخت أفكارها في أساليب الدعوة، وطلب العلم، وتكبد العناء خدمة للدين وأهله، ورفعة للإسلام وحضارته.

كان رحمه الله شعلة وهاجة إذ بلغ مجموع مؤلفاته وترجماته ۷۰۰ عنواناً، منها ۱۷۷ عنوانا بالعربية، وقد ترجم عدد من مؤلفاته إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والبنغالية والإندونيسية وغيرها من لغات الشعوب الإسلامية الأخرى.

نشأة مباركة:

ولد إمامنا بقرية تكية، مديرية رائي بريلي، الهند عام ۱۳۳۲ هـ / ۱۹۱۳ م، أبوه علامة الهند ومؤرَخها السيد عبد الحي بن فخر الدين الحسني رحمه الله صاحب المصنفات المشهورة، التي منها: « نُزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر في تراجم علماء الهند وأعيانها».

ولم يكتب الله لأبي الحسن أن يهنأ بعلم والده طويلاً، إذ توفي والده وهو في التاسعة من عمره، فتكفلت به أمه وأخوه الذي كان مديراً لندوة كبار العلماء.

تعلم على يد أمه الفاضلة التي كانت مؤلفة هي الأخرى – القرآن الكريم واللغتين الأوردية والفارسية، ثم بدأ بتعلم العربية بعد وفاة أبيه بسنة.

وكان رحمه الله من المهتمين باللغات طلباً للعلم أياً كان، وقد قام في وقت لاحق من عمره بتعلم اللغة الإنجليزية، لينهم من علومها ولتكون سلاحاً له في دعوته إلى الحق. بدأ يطور لغته العربية على يد الشيخ خليل بن محمد اليمني حتى شغف بالأدب العربي – على خلاف العادة يومئذ في الهند، لأنهم كانوا يزهون فيه، وعني عناية خاصة بالعكوف على كتب ثلاثة هي: (نهج البلاغة) و (دلائل الإعجاز) و (والحماسة) ثم التحق رحمه الله بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة لكناو، وهي جامعة تدرس العلوم المدنية باللغة الإنجليزية، وكان الإمام حينها أصغر طلاب الجامعة سناً. درس الشيخ الحديث لمدة سنتين في (ندوة العلماء)، ثم عمل مدرساً في دار العلوم التابعة لهذه الندوة عام 1934 م، ودرس فيها التفسير والحديث، والأدب العربي وتاريخه والمنطق.

العمل لأجل الدعوة:

بدأ يتوسع في المطالعة والدراسة خارجاً عن نطاق التفسير والحديث والأدب والتاريخ أيضاً – منذ عام ۱۹۳۷ م، واستفاد من كتب المعاصرين من الدعاة و المفكرين العرب، وفضلاء الغرب، والزعماء السياسيين. بالإضافة إلى استفادته من الصحف والمجلات التي كانت تأتي لأخيه في الندوة، مما مكنه من الاطلاع على مجريات العالم وأحداثه في ذلك الوقت.

اختير عضواً في المجلس الانتظامي (الإداري) الندوة العلماء عام 1948 م، وعُيّن نائبًا لوكيل ندوة العلماء للشؤون، ثم وقع عليه الاختيار أميناً عاماً لندوة العلماء بعد وفاة أخيه الدكتور السيد عبد العلي الحسني – عام ۱۹۹۱ م.

أسس مركزاً للتعليمات الإسلامية عام 1943 م، ونظم فيها حلقات درس للقرآن الكريم والسنة النبوية، فتهافت عليها الناس من الطبقة المثقفة والمولّفين الكبار. كما قام بتأسيس حركة رسالة الإنسانية عام 1951 م، والمجمع الإسلامي العلمي في لكناو عام ۱۹٥٩ م. كما شارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية عام ۱٩٦٠ م، و المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام 1964 م، وهيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند عام ۱۹۷۲ م. وقام الشيخ عام ۱۹۸۱ م بالدعوة إلى أول ندوة عالمية عن الأدب الإسلامي في رحاب دار العلوم لندوة العلماء.

مؤلفاته وإنتاجه:

نُشرّ له أول مقال بالعربية في مجلة (المنار) للعلامة رشيد رضا عام ۱۹۳۱م حول حركة الإمام السيد أحمد بن عرفان (الشهيد في بالاكوت عام ۱۸۳۱ م). كما ظهر له أول كتاب بالأردية عام ۱۹۳۸م بعنوان (سيرة سيد أحمد شهيد) ونال قبولاً واسعاً في الأوساط الدينية والدعوية.

وفي عام 1940م ألف كتابه (مختارات في أدب العرب)، وكان من اهتمامه بأطفال الأمة تأليفه لسلسلتين من كتب الأطفال الهادفة، وهي (قصص النبيين) و (القراءة الراشدة).

بعد ذلك، بدأ في تأليف كتابه المشهور (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عام 1944 م، وأكمله عام ۱۹٤٧ م، وقد طبعت ترجمه الأردية في الهند قبل رحلته الأولى للحج عام ۱۹٤٧م، وهذا الكتاب برأينا – أعظم كتبه وأجلها، بل ومن أعظم الكتب التي شخصت واقع الأمة الإسلامية في عصرنا الحديث، ولا يسعني حقيقة – تصور باحث في حضارة الأمة وتاريخها لم يقرأ هذا الكتاب. كما كلفته الجامعة الإسلامية في عليكره بوضع منهج الليسانس في التعليم الديني، وألقى في الجامعة المالية في الهند محاضرة طبعت في وقت لاحق.

وكان من اهتمامات الشيخ الصحفية أنه كان كاتباً في مجلة (الضياء) التي تصدرها ندوة العلماء باللغة العربية، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (الندوة العلمية بالأوردية، وقام الشيخ لاحقاً بإصدار مجلة (التعمير) بالأوردية.

أسفاره:

كان الشيخ كثير السفر طلباً للعلم ونصرة للدعوة ومن ذلك سفرته إلى مدينة لاهور عام ۱۹۲۹ م، وكانت أول رحلة له إلى بلد بعيد، حيث تعرّف على علمائها وأعيانها، والتقى بشاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال، وكان قد ترجم بعض قصائده إلى العربية، وفي هذه الرحلة عرضه عمه الشيخ محمد طلحة على المربي الكبير الأستاذ محمد شفيع، واستشاره في الميدان الذي يختاره للدراسة في المستقبل، فأشار عليه الأستاذ بالاستمرار في تعلم العربية. كما سافر إلى ديوبند عام ۱۹۳۲ م، وأقام بدار العلوم ديوبند للحضور في دروس العلامة المحدث المجاهد حسين أحمد المدني في الحديث الشريف، كما استفاد منه بصفة خاصة في التفسير وعلوم القرآن.

كما دُعي أستاذاً زائراً في جامعة دمشق عام 1956 م، وألقى محاضرات بعنوان: (التجديد والمجددون في تاريخ الفكر الإسلامي) ضمت – فيما بعد إلى كتابه الكبير (رجال الفكر والدعوة في الإسلام).

وألقى محاضرات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – على دعوة من نائب رئيسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – عام ۱۹٦٣م، طبعت بعنوان: (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن).

وفي عام ۱۹٦٨م سافر إلى الرياض على دعوة من وزير المعارف السعودي للمشاركة في دراسة خطة كلية الشريعة، وألقى بها عدّة محاضرات في جامعة الرياض وفي كلية المعلمين، وقد ضم بعضها إلى كتابه: (نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية). ولم يتوقف الشيخ عن سفراته تلك حتى توفاه الله تعالى.

تكريم وتقدير:

– فاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام ۱۹۸۰ م.

– تأسست رابطة الأدب الإسلامي العالية عام ۱۹۸٤م فاختير رئيساً عاماً لها.

منح جائزة السلطان حسن البلقية العالمية في موضوع (سير أعلام الفكر الإسلامي) من مركز آكسفورد للدراسات الإسلامية عام ۱۹۹۸م.

– منحته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسسكو ISESCO) تقديرا لعطائه العلمي المتميز، وإكباراً للخدمات الجليلة التي قدمها إلى الثقافة العربية الإسلامية – وسام الإيسكو من الدرجة الأولى. وقد استلم هذا الوسام نيابة عنه – ابن أخت سماحته في الرباط في ۲٥ من شعبان ١٤٢١ هـ.

وفاته:

في صباح يوم الجمعة الموافق ۲رمضان 1٤٢١هـ لآخر يوم من السنة الميلادية ۱۹۹۹ م اغتسل الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله رحمة واسعة، ثم خرج لطلابه وطلب منهم قراءة سورة الكهف وما إن أتموها حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، فاضت بعدما ملأ الدنيا علماً وفضلاً، فاضت لتترك ثغرة يصعب علينا نسيان من كان يحميها.

30/03/2020

0ردود على "الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    نبذة عنا

    نحن جيل جديد مشرف على موقع تعليمي عبر الانترنت يسير بالأصالة نحو المعاصرةاقرأ المزيد
    جميع الحقوق محفوظة فريق د.مجدي العطار © 2017
    X