الإمام سفيان الثوري رحمه الله

هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبدالله الكوفي.

من بني ثور بن عبد مناة بن أُدٍّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

ولد سنة ۹۷ هـ في الكوفة. وقيل: في خراسان في عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك.

جده كان أحد أكابر التابعين، وحضر مع الصحابي الجليل علي رضي الله عنه واقعة الجمل، وكان والده من علماء الكوفة، ولعل ذلك جعله يطلب العلم وهو صغير.

توفي والده وهو دون التاسعة من عمره.

واعتنت به والدته خير اعتناء، فوجهته لدراسة الحديث في المسجد.

ويروى أن والدته كانت تغزل بمغزلها ذات يوم، وباعت ما غزلته بعشرة دراهم، ثم دعت إليها ابنها سفيان، وقالت: يا سفيان هذه عشرة دراهم اذهب فاطلب بها الحديث في المسجد، ثم انظر يابني إن وجدت أثراً لما تعلمته على عقلك وقلبك وعملك، فتعال أعطك عشرة دراهم أخرى حتى تطلب بها العلم، وإن لم تجد أثراً لذلك، فاترك العلم يا بني، فإنه يأبى إلا أن يكون لمخلص.

فاجتهد منذ صباه في طلب العلم، ونبغ رحمه الله في العلوم، وخاصة في الحديث.

وحدّث عن الأسود بن قيس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم. روي عنه عبدالله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالله بن وهب، ووكيع بن الجراح، وحماد بن أبي سليمان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومالك، وشعبة.

وكانت له رحمه الله حافظة عجيبة، فكان يقول: لم أستودع قلبي شيئًا فخانني، ويقول أيضًا: ما استودعت أذني شيئًا، فنسيته.

من عجائب حفظه:

– دخل مرة على هشام بن عروة فسمع منه، فأعاد ما سمع للحاضرين.

– ضاع كتاب الديات، فأملاه على صاحبه، باباً باباً من حفظه.

– كان أمير المؤمنين في الحديث الشريف، كما قال بذلك شعبة بن الحجاج وغيره، فقد حفظ 300 ألف حديث ولم يحدث منها إلا بعشرها (أي ۳۰ ألف حديث).

ولئن كان سفيان الثوري قد برع في الحديث، فقد تميز في علوم عدة، واشتهر بالورع والزهد والعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول عنه الإمام الذهبي رحمه الله: كان رأسًا في الحديث، ورأسًا في الفقه، ورأسًا في الورع، ورأسًا في الزهد.

أما أكثر ما اشتهر به سفيان الثوري وساد أقرانه بسببه، وفاق علماء الزمان، هو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وتصديه للظلم.

وذكر أن العز بن عبد السلام كان يشبهه في الأمر بالمعروف، كما كان النووي يشبهه في الورع.

 وكان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر تجلى في عهد الخليفتين العباسيين المنصور والمهدي.

رفض منصب القضاء تورعاً بعد أن عرضه عليه المنصور، ففر سفيان واختفى في مكة، فجعل المنصور مكافأة كبيرة لمن يأتي به، ففر إلى اليمن، فأخذه واليها معن بن زائدة، فلما عرفه، قال له: أنت حر، إن أردت أن تقيم، أو أردت أن ترحل.

ولقد دخل سفيان على المهدي، فقال له المهدي: يا سفيان، كن معي حتى أسير فيكم بسيرة العمرين، فقال له سفيان: فكيف بهؤلاء الذين من حولك؟، ووعظه بشدة ونهاه عن منكرات في حاشيته، فقال صاحب المهدي الربيع: أتقول هذا لأمير المؤمنين؟، دعني يا أمير المؤمنين أضرب عنقه، فقال له سفيان: سبحان الله!، أنتم شر من بطانة فرعون، فإنها قالت له: “أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين”، فقال المهدي للربيع: اسكت لا تقل له هذا، فإن هذا وأمثاله (يقصد الثوري) يريدونا أن نقتلهم، فنشقى ويسعدون، ولكن يا ثوري، نكتب لك عهداً بالقضاء، فأمر بذلك، وأعطاه للثوري الذي خرج من عنده، وأخذ العهد بالقضاء، فرماه في نهر دجلة، وفر هاربًا حتى دخل البصرة، ورصد المهدي مكافأة كبيرة لمن يدلي بأخبار عن الثوري الذي تحداه ورفض هذا المنصب، فدخل الثوري البصرة، وأقام فيها حتى توفي.

وكان رحمه الله كثير العبادة.

وذكر أنه سجد بعد المغرب، ولم يرفع رأسه حتى أذن للعشاء.

وقال أحد السلف: رأيت سفيان ساجدًا، وطفت بالبيت سبعًا، وهو ما يزال على تلك الحال.

كان كثير البكاء، كثير ذكر الموت.

قال بعض السلف: ما رأيت سفيان إلا باكيًا، وقال بعضهم أيضًا: ما رأيت سفيان في مجلس قط إلا وذكر الموت.

كما كان رحمه الله شديد الزهد، لا يقبل شيئًا من أحد، معتمدًا على كسب يده، وكان يحث طلبة العلم على أن يكسبوا من عملهم، وكان إذا احتاج إلى المال ينقض جذوع بيته ويبيعه، فإذا حصل على المال أعاد بناء السقف، كل ذلك مخافة أن يسأل أحداً.

وكان يذهب من العراق إلى اليمن بحثًا عن الكسب الحلال، وكان يقول: عمل الأبطال الكسب الحلال والإنفاق على العيال.

وكان يقول: المال ترس المؤمن.

ومع ورعه وزهده ودوام ذكره للموت، فقد كان رجمه الله كثير المزاح، فكان يمزح ويضحك حتى يستلقي ويمد رجليه، حتى إن بعض السلف كان ينبهه على أن هذا المزاح لا يليق بالعلماء.

مؤلفاته: يقال: إنه أول من ألف كتبًا عن الموضوعات في الكوفة.

وله كتاب الجامع الكبير؛ والجامع الصغير، وكلاهما في الحديث.

وله رسالة في الفرائض، وألّف أبو الفرج بن الجوزي كتابًا في مناقبه.

كان الإمام أحمد رحمه الله يقول عنه: هو الإمام لا يتقدم عليه أحد.

وقال ابن عيينه: أصحاب الحديث ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.

وقال المثنى بن صباح: سفيان علم الأمة وعابدها.

توفي رحمه الله في البصرة سنة 161هـ.

وكان معه وقت احتضاره تلاميذه: عبد الرحمن بن المهدي وسفيان بن عيينة، فطلب من عبد الرحمن أن يقرأ عليه سورة يس، قال: فما أكملها حتى مات.

وذكر أنه أصيب بالبطن (الإسهال)، فتوضأ كثيرًا وهو على فراش الموت، ثم ذكر أنه لما عاين الموت، نزل عن الفراش، ووضع خده على الأرض، وقال: يا عبد الرحمن، ما أشد الموت!.

ويذكر أن تلاميذه وجدوه يبكي بشدة، فقيل له: لم هذا البكاء والخوف، مع أنك قادم على من كنت تعبد وترجوه؟، قال سفيان: إني لا أخاف من ذنوبي، فهي أهون علي من هذه، وأشار إلى قطعة قماش بالية، ولكني أخاف أن أسلب الإيمان، وظل يبكي حتى أصبح.

ودخل عليه رجل، فحدثه بحديث لم يسمعه من قبل، فأخرج لوحًا من تحت سريره، وأخذ يكتب الحديث، فقيل له: وأنت على هذه الحالة؟، قال: الئن ألقى الله عز وجل وأنا أعلم هذا الحديث، خير من أن ألقاه وأنا لا أعلمه.

وظل يدعو ويقرأ ويبتهل ويبلى ويرتعد حتى مات رحمه الله عن 64 سنة.

وقد رآه بعضهم في المنام يطير في الجنة من نخلة إلى نخلة ومن شجرة على شجرة وهو يقرأ قوله تعالى: “الحمد لله الذي صدقنا وعده..”.

وقال عبدالرحمن بن مهدي: كنت مع من غسل الثوري، فوجدت مكتوبًا على جسده بخط واضح: “فسيكفيكهم الله”، وخرجوا به تحت جنح الظلام حتى لا يتفطن له أحد، فقال عبد الرحمن بن مهدي: فسرنا بالليل كأننا في النهار من شدة ضياء هذه الليلة.

فرحم الله هذا الإمام العالم الزاهد الذي قدم لنا دروساً جليلة في معاني الإيمان والصبر على الحق والحرص على العلم حتى آخر لحظات الحياة.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار 

02/03/2020

1ردود على "الإمام سفيان الثوري رحمه الله"

  1. طارق سعيد06/03/2021 في 12:05:رد

    جزاكم الله خيرا وبارك فيكم وفي علمكم . والله هؤلاء هم رجال وأعلام وأبطال أمتنا ولكن للأسف تم تجهيلنا وتجهيل من قبلنا حتى لا نعرفهم ولا نتخذهم قدوات .

اترك رسالة

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020