الاعتصام بحبل الله تعالى

قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”[1]، الاعتصام معناه الاحتماء، ومنه سميت القلاع عواصم؛ لمنعتها وحمايتها لمن في داخلها، ومنها تسمية المدينة التي فيها السلطة السياسية والاقتصادية والإدارية بعاصمة لذلك البلد.

والاعتصام نوعان: اعتصام بالله، كما قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِاللَّـهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ”[2]، واعتصام بحبل الله، كما قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”.

الاعتصام بالله تعالى يعصمنا من الهلكة، لكن يسبقه الاعتصام بحبل الله وهو الإسلام، بمعنى كيف الله تعالى سيحمينا وينصرنا، ونحن لا نتبع أو نتمسك بمنهجه.

ولنتخيل أن لديك شركة، وعندك موظف يذهب للعمل في شركة أخرى، هل تعطيه الراتب؟، ستقول له: اذهب إلى تلك الشركة التي تعمل عندها وخذ منها الراتب، كالمثل الشعبي: تُكاكي عندي، وتبيض عند غيري.

وورد حديث نبوي مهم وخطير: قال صلى الله عليه وسلم: “أَوّلُ النّاسِ يُقْضَىَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ، قِيلَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ؛ لِيُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلّمَ القُرْآنَ، قَالَ: تَعَلّمْتُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ قَارِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ، قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ”[3].

راعي سلّم على رجل جالس في ظل شجرة، ويظهر على الرجل أن يحمل هموم الدنيا، بعد الحديث، طلب الرجل مشورة الراعي في مشاكل كبيرة يمر بها، تبسم الراعي، ونادى بأعلى صوته بأبيات من الشعر، فذهب الصوت إلى الجبل المقابل، ثم عاد صدى الصوت بنفس تلك الأبيات من الشعر: إِنَّ الفَقيهَ هُوَ الفَقيهُ بِفِعلِهِ***لَيسَ الفَقيهُ بِنُطقِهِ وَمَقالِهِ/ وَكَذا الرَئيسُ هُوَ الرَئيسُ بِخُلقِهِ***لَيسَ الرَئيسُ بِقَومِهِ وَرِجالِهِ/ وَكَذا الغَنِيُ هُوَ الغَنِيُ بِحالِهِ***لَيسَ الغَنيُّ بِمُلكِهِ وَبِمالِهِ. فهم الرجل الرسالة، وشكر الراعي، ورحل[4].

لماذا نعتصم بحبل الله تعالى؟؛ لأن هذا الحبل وهو الإسلام، عبر مئات السنين منذ نزوله، واتباع مليارات من البشر له إلى الآن، أثبت نجاحه وتميزه في إدارة وتسيير الحياة، فهل يعقل أن أقول: اكتشفت خلل في هذا الصرح العظيم، أليس من المنطق والأسلم أن أنسب هذا الخلل في قلة علمي وخبرتي؛ لأن وجود خلل، لا بد أن يتبعه خلل آخر، وهكذا حتى يظهر الخلل في المنطومة[5] ككل، وهذا غير موجود مع منظومة الإسلام.  

فهذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، وللتوضيح: لو نُشر كتاب، لا يوجد فيه أخطأء علمية أو مخالفات أخلاقية وإنسانية، يُنشر ويباع منه بالآلاف، ولا أحد ينطق بكلمة، لكن نُشر كتاب فيه أخطاء علمية أو مخالفات أخلاقية وإنسانية، تقوم الدنيا ولا تقعد.

هل نستطيع أن نعتصم بحبل الله تعالى؟، قال تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا”[6]، وبالتالي يستحيل أن يكلفنا الله تعالى بلا نطيق، فإذا أمرنا بغض البصر، بإمكاننا أن نغض البصر، وإذا توهمنا أننا لا نستطيع غض البصر، فهذه مشكلتنا في التطبيق، وليس المشكلة في المنهاج.

ثم لحكمة بالغة من الله تعالى في كل مكان وزمان هناك إنسان مستقيم، يكون حجة على من حوله، ففي أسوأ الأماكن وأسوأ الظروف، يجعل الله تعالى هناك إنسان مستقيم، يُقيم الحجة علينا، ويُضيئ لنا الأمل، ويكون أسوة حسنة لنا.

أحد الأطباء الصالحين، كان مشهور بخبرته الكبيرة في الجراحة، ولما سئل عن سر هذا النجاح؟، قال: قبل كل عملية، أصلي ركعتين لله عز وجل، ثم أسأله سبحانه التوفيقَ، والحمد لله ما خابتْ معي عمليةٌ جراحية، قيل له: من أين تعلمت هذه الركعتين، قال من الإمام البخاري، فقد كان رحمه الله بعد أن يجتهد ويتأكد من صحة الحديث، وقبل أن يضعه في كتابه الصحيح، يصلي ركعتين لله تعالى.

ختامًا: ما الحكمة من قوله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا” بالجمع، وليس واعتصم؟؛ لأن الاعتصام يحتاج إلى جماعة، تتواصى فيما بينها بالحق والصبر، فلو كان عندك هاتف، ولم تخزن عليه أرقام هواتفهم الأهل والأصدقاء، لا قيمة له، ومن هنا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام للحبشة ثم إلى المدينة المنورة؛ حتى يتمنكوا من الاعتصام بحبل الله تعالى.

ونحن نفرق بين الدعوة والاعتصام، فالدعوة تكون مع كل المجتمعات، أما الاعتصام يحتاج إلى مجتمع مسلم، ومن هنا نفهم الثمن الذي يدفعه المسلم الذي يعيش في مجتمع غير مسلم.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية


[1]: (آل عمران/103).

[2]: (الحج/78).

[3]: (صحيح مسلم).

[4]: وأنتم هل فهمتم الرسالة؟!.

[5]: مجموعة أفكار ومبادئ مُرتبطة.

[6]: (البقرة/286).

0ردود على "الاعتصام بحبل الله تعالى"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020