الامام ابن الجوزي رحمه الله

الشيخ الإمام العلامة، الحافظ، المفسر، المحدث، المؤرخ، شيخ الإسلام عالم العراق.

كتب بخطه كثيرًا من كتبه التي قاربت المئتين.

كان ذا صيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك، والوزراء وبعض الخلفاء، والأئمة والكبراء.

قال رحمه الله: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفًا.

فمن هو ابن الجوزي؟.

هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي، ينتهي نسبه إلى أبي بكر  الصديق رضي الله عنه.

مولده: ولد (بدرب حبيب)، الواقعة في بغداد، واختلف في تاريخ ولادته: كان يقول: لا أتحقق مولدي، غير أنه مات والدي في سنة (514هـ)، وقالت الوالدة: كان لك من العمر ثلاث سنين.

نشأته: توفي والده علي بن محمد وله من العمر ثلاث سنين، ولكن ذلك لم يؤثر في نشأته نشأة صالحة، حيث أبدله الله عمته مربية مخلصة تعطيه كل عطفها وعنايتها، وتسهر على خدمته وتعليمه، فهي التي حملته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر، فتلقى منه الرعاية التامة والتربية الحسنة حتى أسمعه الحديث.

وعلى الرغم من فراق والده في طفولته، فقد ساعده في توجهه إلى طلب العلم وتفرغه لذلك ثروة أبيه الموسر، فقد ترك له من الأموال الشيء الكثير.

فلما بلغ ابن الجوزي رشده، شعر بنفسه وبال الترف في طلب العلم، فقنع باليسير، واستسهل الصعاب متحملًا كل الشدائد والمحن.

فقال عن نفسه: (ولقد كنت في مرحلة طلبي العلم، ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجو).

عاش ابن الجوزي رحمه الله منذ طفولته ورعًا تقيًا زاهدًا، لا يحب مخالطة الناس خوفًا من ضياع الوقت، ووقوع الهفوات، فصان بذلك نفسه وروحه ووقته.

حبه للعزلة: وكان يحب العزلة تقديرًا لقيمة الوقت، وابتعادًا عن الوقوع في اللهو، يقول في صيد الخاطر: (فليس في الدنيا أطيب عيشًا من منفرد عن العالم بالعلم، فهو أنيسه وجليسه، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة، لا عن تكلف ولا تضييع دين، وارتضى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها، والتحف بالقناعة باليسير، إذا لم يقدر على الكثير، بهذا الاستعفاف يسلم دينه ودنياه، واشتغاله بالعلم يدله على الفضائل ويفرجه عن البساتين، فهو يسلم من الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة، ولكن لا يصلح هذا إلا للعالم، فإنه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط).

لقد أعجب بشخصيته وجهده الجبار، علماء أجلاء من بعده، فمدحوه وأثنوا عليه:

يقول ابن خلكان رحمه الله: (إنه كان علامة عصره، وإمام وقته في الحديث، وفي صناعة الوعظ، صنف في فنون كثيرة).

وكان ابن الجوزي كثير الاطلاع، ومشغوفًا بالقراءة، فقد حكى عن نفسه أنه طالع عشرين ألف مجلد أو أكثر، وهو ما يزال طالباً .

مدرسة ابن الجوزي: كان له دور كبير ومشاركة فعالة في الخدمات الاجتماعية، وقد بنى مدرسة (بدرب دينار)، وأسس فيها مكتبة كبيرة، ووقف عليها كتبه، وكان يدرس أيضاً بمدارس عدة، ببغداد.

منزلته في الوعظ: لم يكن جهاده محصورًا في القلم والتأليف، إنما كان له شأن عظيم وشهرة كبيرة في الوعظ والخطب والدعوة والإرشاد بين الخواص والعوام.

يقول ابن كثير رحمه الله: (تفرد ابن الجوزي بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه، وفي طريقته وشكله وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه).

كان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يحضر في وعظه الروساء والخلفاء، وقد التفت مرة إلى ناحية الخليفة المستضي، العباس، وهو يخطب، فقال: (يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك: اتق الله، خير لك من قوله لكم: أنتم أهل البيت مغفور لكم)، وأضاف قائلاً: (لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: إذا بلغني من عامل ظلم، فلم أغيره، فأنا الظالم).

محنته في سبيل الحق: امتحن ابن الجوزي رحمه الله، في آخر عمره، وذلك أن الوزير ابن يونس الحنبلي كان في ولايته، قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن عبد القادر الجيلي، وأحرقت كتبه.

وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيء كثير، وذلك بمحضر من ابن الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده، وسلمها إلى ابن الجوزي.

فلما ولي الوزارة ابن القصاب، وكان رافضيًا خبيثًا سعى في القبض على ابن يونس وتتبع أصحابه، فقال الركن: أين أنت عن ابن الجوزي، فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبه بمشورته؟.

فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر له ميل إلى الشيعة، وكان يقصد إيذاء ابن الجوزي، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأهانه و ختم على داره وشتت عياله، ثم أخذ في سفينة إلى أواسط، فحبس بها في بيت، وبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين، وما أدخل فيها حماماً.

فالمحنة بشتى أنواعها والصبر عليها والاستمرار على الوقوف في وجه الباطل والظلم والطاغوت من دأب العلماء العاملين والمجاهدين المخلصين.

مشائخه: ألف ابن الجوزي في مشيخته كتابًا خاصًا، ذكر فيه حوالي تسعة وثمانين شيخًا، ونرى فيه حسن اختياره للمشائخ، حيث تتلمذ على طائفة من خيرة أعلام عصره، ويذكر اهتمامه في اختيار أبرع وأفهم المشائخ في بداية كتابه المذكور، حيث قال: (حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر وأسمعني العوالي، وأثبت سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم وأوثر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد المدد لا تكثير العدد).

 رحمه الله اليتيم المبدع ابن الجوزي رحمة واسعة

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية

10/02/2020

0ردود على "الامام ابن الجوزي رحمه الله"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    نبذة عنا

    نحن جيل جديد مشرف على موقع تعليمي عبر الانترنت يسير بالأصالة نحو المعاصرةاقرأ المزيد
    جميع الحقوق محفوظة فريق د.مجدي العطار © 2017
    X