الانجاز .. والزهد:

2017-02-08:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ) (فاطر/5) .. خلق الإنسان لحمل أمانة (وعد الله)، وهذا الوعد هو (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً)، وهذا الوعد ستسأل عنه في (يوم الحق) وهو يوم القيامة، فماذا أعددنا من إجابة ومعذرة؟! .. ثم المتأمل لسير الأنبياء والصحابة والعلماء والعظماء، يرى كيف صنعوا النجاح والإنجاز، وذلك باعتمادهم بعد الله تعالى على ثلاث: الثقة بالنفس، ثم وضوح الأهداف، ثم الصبر، كما قال حكيم: “لا بد دون الشهد من إبر النحل”.

بداية اعلم رحمك الله، أنك غال عند الله تعالى .. وأي صانع يفتخر بانجازه، تكون لديه تحفة يعتز بها ويفتخر، وهي غالية عنده .. ولله المثل الأعلى، خلق الله تعالى هذا الكون، وما فيه من عجائب خلقه وقدرته، لكن بفضله سبحانه رفع الإنسان فوقها، وما سجود التكريم من الملائكة العظام لأبينا آدم عليه السلام، إلا دليل على قيمتنا الغالية والقريبة من الرحمن الرحيم .. لكن كم يعيش في كل جيل من بشر؟!، وكم هم الذين تحفظ سيرتهم من هؤلاء البشر؟!، سواء من القادة أو العلماء أو التجار أو الشعراء أو من برزوا في أي مجال من المجالات، إنهم قليل جداً من كم كثير جداً من البشر .. مع العلم أن التميز والإنجاز عند المؤمن والمؤمنة، لا بد أن يكون أضعاف ما عند غيرهم، فهم يملكون سر النجاح وهو المعية والتوفيق من الله تعالى .. إذاً يا معشر المسلمين، مسؤولية الإنجاز البشري على أكتافنا أضعاف مضاعفة.

ثانياً اعلم رحمك الله، أن معاقد تخليد الذكر ثلاثة:  العلم والجاه والمال، وأعلاها العلم، وهو أبقاها أثراً، فما دونت السير إلا بقلم العلم، لا بسيف الجاه، ولا ببريق المال .. ووجود البشر تميز بالعقل، الذي سطر مع الأيام والليالي إنجازات ترجمت إلى مدنية متقدمة، لكن للأسف لم يصل بها إلى حضارات راقية، وما ذلك إلا لبعدها عن الأخلاق، فالحضارة هي (مدنية + أخلاق) .. فالبشرية اليوم تنتظر المسلمين؛ لإنقاذها من هذا الجنون والضياع والخوف، وهذا لن يكون إلا بالأخلاق والتعاليم التي جاء بها خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم .. فنحن أمة الإسلام لا بد أن تتقدم، لا بد أن ننجر، كما أنجز سلفنا الصالح، لكن مع تذكر سر نجاح السلف الصالح، أنهم أضافوا (الزهد) إلى الثقة بالنفس ووضوح الأهداف والصبر، فالزهد هو ضابط النجاح من أن يتحول إلى كبر واغترار، ولهذا كان العنوان الكبير للسلف الصالح (التواضع) .. ولتحقيق الزهد، إليكم هذا التدريب البسيط: جاء رجل إلى الحسن البصري يسأله: ما سرُّ زهدك في الدنيا يا إمام؟، فقال رحمه الله: أربعة أشياء: (1): علمت أن رزقي لايأخذه غيري، فاطمئن قلبي، (2): وعلمت أن عملي لايقوم به غيري، فاشتغلت به وحدي، (3): وعلمت أن الله مطلع علي، فاستحييت أن يراني على معصية، (4): وعلمت أن الموت ينتظرني، فأعددت الزاد للقاء ربي.

ختاماً: أحبابنا .. الزهد مفتاح انطلاق الإنجاز، فما هو الزهد؟، هو أن تكون الدنيا بيدك وليس في قلبك .. مع التذكير: أن حضارة الإسلام الشامخة لم تقم على ترك الدنيا والانقطاع للآخرة، بل مزجت الدنيا بالآخرة، فآتت أكلها طيباً، كما قال صلى الله عليه وسلم: “كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف” (صحيح البخاري)، وقال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة .. وليكن شعارنا: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك” (القصص/77) .. ردد هذه العبارة كثيراً، وتفكر فيها مراراً: “وأحسن كما أحسن الله إليك”.

ولتوضيح الفكرة أكثر: أترككم في رعاية الله تعالى، ومع هذه القصة الواقعية الرائعة: ولد قبل أكثر من ثمانين عاماً في أسرة ثرية تعيش في باكستان، من أسرة من طائفة السيخ .. وكعادة الأسر الثرية تعهد بأبنائها إلى مربين يعلمونهم ويهذبونهم، فعهدت هذه الأسرة بابنها إلى معلم مسلم يتربى عنده .. فتلقى منه قيم الإسلام وأخلاقه، فما كان منه إلا أن أعلن دخوله في هذا الإسلام، والحمد لله تعالى .. غضبت أسرته من دخول ابنها في الإسلام، فتبرأت منه، ولكن لأن هذا الشاب تعلم التجارة، فقد شق طريقة حتى كوَّن له ثروة مرموقة .. ثم تزوج وصار له أبناء، وأدخل أبناءه مدارس تحفيظ القرآن الكريم في بلدته، لكن أبناءه خذلوه ولم يستمروا في الدراسة، فشعر بالحزن؛ لأن أمله في أن يحفظ أبناؤه القرآن الكريم قد تبخر .. شعر مدير المدرسة بالألم الذي أصاب الرجل من جراء ترك أبنائه تعلُّمَ القرآن، فطرح عليه فكرة، وقال: “أنت تحرص على تعليم أبنائك القرآن، فاعتبر أن جميع الطلاب الذين في هذه المدرسة هم أبناؤك، فارعهم واحرص على تعليمهم القرآن، وتبنَّ الاهتمام بهم وتطوير هذه المدرسة .. راقت الفكرة لهذا الرجل الصالح (محمد يوسف سيتي)، وفكّر في أن يطور هذه المدرسة، وأن يجلب لها أفضل المعلمين من بلاد الإسلام .. وعندما سأل نفسه: أين يمكن أن يجد أفضل المعلمين لتعليم القرآن الكريم؟؛ لم يجد أمامه إلا إجابة واحدة (مكة المكرمة) ستكون الموطن لهؤلاء المعلمين المتميزين .. حزم أمتعته وتوجه إلى مكة يبحث عن معلمين لتعليم القرآن الكريم، لكنه فوجئ بأنه لا توجد في مكة جهة تُعنى بتعليم القرآن الكريم، وإنما هناك مبادرات من أفراد وحِلَق وكتاتيب لتعليم القرآن الكريم، تتناثر في زوايا المسجد الحرام .. طرح على نفسه سؤالاً: “أيهما أَوْلى بالإهتمام: مدرسة تُعنى بتعليم القرآن الكريم في بلدي أم في المسجد الحرام؟”، فلم يجد أمامه إلا إجابة واحدة: المسجد الحرام .. عرض الشيخ (محمد يوسف سيتي) فكرته في إنشاء جمعية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة على علماء المسجد الحرام، فتحمسوا لها ودعموها، فكانت أول جمعية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية وذلك عام 1382هـ، وجلب لها الشيخ مائة معلم من باكستان لتعليم القرآن الكريم، وبدأت هذه الجمعية المباركة في رحاب المسجد الحرام ومساجد مكة .. بعد سنتين، انتقل (محمد يوسف سيتي) إلى المسجد النبوي لنقل فكرة تأسيس جمعية لتحفيظ القرآن الكريم في المدينة النبوية، وعرض الفكرة على علماء المدينة، فرحبوا بها وتحمسوا لها .. وكانت هذه الجمعية ثاني جمعية لتحفيظ القرآن الكريم في المدينة في عام 1384هـ .. نشطت هذه الجمعية في المسجد النبوي الشريف وفي مساجد المدينة، حتى أقبل عليها الناس لتعليم أبنائهم كتـــاب الله تعالى وتحفيظهم القرآن الكريم .. وتوالى إنشاء جمعيات تحفيظ القرآن الكريم حتى وصل عددها إلى ما يزيد عن 120 جمعية في أنحاء المملكة .. لم يتوقف أثر هذه الفكرة على السعودية، بل تجاوزه إلى كل بلاد المسلمين، والحمد لله تعالى .. وفي أردننا الغالي لدينا جمعية قرآنية مباركة، وصلت إلى كل مدينة وقرية وبادية، وهي جمعية المحافظة على القرآن الكريم.

ودمتم سالمين

فريق د. مجدي العطار

 

1ردود على "الانجاز .. والزهد:"

  1. أسامه العطار09/02/2017 في 06:20:رد

    لا فض فوك

اترك رسالة

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020