المحاضرة (26): *سورة البقرة الآية 18*:

قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} (البقرة/18).

س): المنافقون يَسْمَعُونَ وَيَنْطِقُونَ وَيُبْصِرُونَ، فكيف وصفوا بهذه الصفات؟

الرازي: صحيح، فالمعنى لا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إنما هو تَشْبِيهُ حَالِ المنافقين لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالْعِنَادِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا يَطْرُقُ سَمْعَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا يُظْهِرُهُ الرَّسُولُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْآيَاتِ بِمَنْ هُوَ أصم وأبكم وأعمى. 

القرطبي: لَيْسَ الْغَرَضُ نَفْيَ الْإِدْرَاكَاتِ عَنْ حَوَاسِّهِمْ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ نَفْيَهَا كما قال قَتَادَةَ رحمه الله: صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يَسْمَعُونَهُ، عُمْيٌ عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يُبْصِرُونَهُ، بُكْمٌ عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ. وكما قال صلى الله عليه وسلم: “وإذا رَأَيْتَ الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوكَ الأرْضِ، فَذاكَ مِن أشْراطِها” (صحيح مسلم).

س): {صُمٌّ}: من هو الأَصَمُّ ؟

الرازي: هو الذي لَا يَسْمَعُ. 

القرطبي: الصَّمَمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِانْسِدَادُ، يُقَالُ: قَنَاةٌ صَمَّاءُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً. وَصَمَمْتُ الْقَارُورَةَ إِذَا سَدَدْتُهَا، فَالْأَصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُرُوقُ مَسَامِعِهِ. 

أبو حيان: الصَّمَمُ دَاءٌ يَحْصُلُ فِي الْأُذُنِ، يَسُدُّ الْعُرُوقَ فَيَمْنَعُ مِنَ السَّمْعِ، قَالُوا: قَنَاةٌ صَمَّاءُ ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ السَّدُّ، وَصَمَمْتُ الْقَارُورَةَ: سَدَدْتُهَا.

س): {بُكْمٌ}: من هو الأبكم؟

الرازي: هو الذي لا يتكلم. 

القرطبي: الَّذِي لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْهَمُ، فَإِذَا فَهِمَ، فَهُوَ الْأَخْرَسُ. وَقِيلَ: الْأَخْرَسُ وَالْأَبْكَمُ وَاحِدٌ. 

أبو حيان: الْبَكَمُ آفَةٌ تَحْصُلُ فِي اللِّسَانِ تَمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: الَّذِي يُولَدُ أَخْرَسَ. وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْكَلَامَ وَلَا يَهْتَدِي إِلَى الصَّوَابِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ دَاءٌ فِي الْفُؤَادِ لَا فِي اللِّسَانِ. 

س): {عُمْيٌ}: من هو الأعمى؟

القرطبي: الْعَمَى هو ذَهَابُ الْبَصَرِ، وَتَعَامَى الرَّجُلُ: أَرَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ. وَعَمِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ إِذَا الْتَبَسَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} (القصص/66).

أبو حيان: وَالْعَمَى ظُلْمَةٌ فِي الْعَيْنِ تَمْنَعُ مِنْ إِدْرَاكِ الْمُبْصَرَاتِ.

س): {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}: يرجعون عن ماذا؟

الرازي: 1: التَّمَسُّكُ بِالنِّفَاقِ الَّذِي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذا الصِّفَاتِ، فَصَارَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى نِفَاقِهِمْ أَبَدًا. 2: أَنَّهُمْ لَا يَعُودُونَ إِلَى الْهُدَى بَعْدَ أَنْ بَاعُوهُ، وَعَنِ الضَّلَالَةِ بَعْدَ أَنِ اشْتَرَوْهَا. 3: أَرَادَ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا خَامِدِينَ فِي مَكَانِهِمْ لَا يَبْرَحُونَ، وَلَا يَدْرُونَ أَيَتَقَدَّمُونَ أَمْ يَتَأَخَّرُونَ، وَكَيْفَ يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟!. 

الطبري: عَنْ قَتَادَةَ رحمه الله: أَيْ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَذَّكَّرُونَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَيْ فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْهُدَى وَلَا إِلَى خَيْرٍ، فَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. 

النابلسي: سأروي قصة رمزية، إنسان أراد أن ينتحر، فلا مال له ولا ولد، فجاءه ملك الموت، ودلَّه على طريقةٍ يغتني بها، أصبح هذا الرجل غنياً جداً، ثم أُتيح له أن يتزوَّج ابنة الملك، وأصبح صهر الملك، فاجأه ملك الموت وهو في يوم عُرْسه، قال له: تأخذني الآن!، ليتك أخذتني من قبل، يوم كنت مزمعاً أن أنتحر، وهكذا الموت يأتي في وقت غير متوقَّع، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل، المؤمن مستعد للقاء الله عزَّ وجل، والمنافق غير ذلك. 

لا تنسونا من صالح الدعاء

 

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية

0 responses on "المحاضرة (26): *سورة البقرة الآية 18*:"

    Leave a Message

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020