المسؤولية تجاه الدين والأمة

قال تعالى: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” (المؤمنون/115).

لو كنت في طائرة، واستخففت بقانون السقوط، وقفزت من الطائرة بدون مظلة، ماذا يحدث؟، تنزل ميتاً، فعدم إيمانك بالقانون، لا يلغي فعله، فسواء آمنت أم لم تؤمن، فأنت مسؤول وسوف تحاسب.

قال تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً” (الأحزاب/72).

ما هي الأمانة التي قبل الإنسان حملها؟، هي أنك حر مخير.

وهذه الأمانة لها أركان خمسة، وهي: الكون والعقل والفطرة والشهوة والشرع، فبالكون تعرف ربك سبحانه، وبالعقل تهتدي إليه، وبفطرتك تعرف خطأك، وبالشهوة تندفع إلى أهدافك، وبالشرع منهجك، يضبط لك حركاتك.

قيل: الإنسان أحياناً يترنم بكلمة: أنا مسؤول كبير، لو علم ما تعني هذه الكلمة، لارتعدت فرائصه؛ لأنه حمل أمانة، الكون كله رفضها، وحملها الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً.

لكن في المقابل، لا بد أن يتقدم المؤمن الصالح القوي إذا لم يوجد غيره، ويصبح الحكم في حقه فرض عين، فلا زهد هنا، بل هنا طاعة لله ورسوله، وعمارة وخلافة للأرض، والله تعالى يعينه وينصره، قال صلى الله عليه وسلم: “مَن وَلِيَ منكم عملًا، فأرادَ اللهَ به خيرًا، جَعَلَ له وزيرًا صالحًا، إن نَسِيَ ذَكَّرَه، وإن ذَكَرَ أعانَه” (سنن النسائي/ صحيح).

والسؤال: ما خطوات حمل الأمانة؟:

الخطوة الأولى: حمل أمانة النفس: قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)” (سورة الشمس).

وهذه الأمانة هي: التزام المرء بأوامر الله ونواهيه، ومصدرها الدين، كما قال تعالى: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً” (الإسراء/36).

وهل يعقل أن يكون هناك مسلم في النهار حمار في العمل، وفي الليل: ساعات على المسلسل، وساعات على طاولة النرد، ثم ينام كالدابة.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟” (سنن الترمذي).

بعد هذه الخطوة، وهي حمل أمانة النفس، هل نقف؟، لا، إنما ننتقل إلى الخطوة الثانية.

(2): حمل أمانة الدين: قال تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (فصلت/33).

نرى تاجر الدنيا، يفتح محله، ويرتب بضاعته، ويبقى صابرًا طوال اليوم ينتظر الزبائن، يستقبلهم بالإبتسامة والكلمة الطيبة، حتى يحقق الصفقة، وإذا أراد مزيد من الربح، أصبح لا ينتظر الزبون، بل هو من يذهب إليه، عن طريق الموزعين ومندوبي المبيعات، والإعلانات والدعايات، والآن انتشر التسويق الإلكتروني.

هذا تاجر الدنيا، فأين تجار الآخرة؟!.

وخطورة عدم حمل أمانة الدين، أن نصبح مثل اليهود، الذين ذمّهم الله تعالى، وقال فيهم: “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً” (الجمعة/5).

وكما وصفهم وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ رحمه الله، فقال: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يَعْتِبُ بِهِ أَحْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: تَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَتَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَتَتَنَازَعُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، تَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ، وَتُخْفُونَ أَنْفُسَ الذِّئَابِ، وَتُنْقُونَ الْفِرَا مِنْ شَرَابِكُمْ، وَتَبْتَلِعُونَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنَ الْحَرَامِ، وَتُثَقِّلُونَ الدِّينَ عَلَى النَّاسِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَا تُعِينُوهُمْ بِرَفْعِ الْخَنَاصِيرِ، وَتُطِيلُونَ الصَّلَاةَ، وَتُبَيِّضُونَ الثِّيَابَ، تَقْتَنِصُونَ بِذَلِكَ مَالَ الْيَتِيمِ وَالْأَرْمَلَةِ، فَبِعِزَّتِي حَلَفْتُ، لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِفِتْنَةٍ يَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذِي الرَّأْيِ، وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ.

ما هو جزاء المسؤول العادل: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ, عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ, عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ, وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا” (صحيح مسلم).

ولا تخش الظالمين، فإن الله تعالى سيحاسبهم، قال تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ” (إبراهيم/42).

ختامًا: دعوة الناس تحتاج إلى: إخلاص، وعلم، وصبر.

دخل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، إلى إحدى الجامعات في الجزائر، من أجل محاضرة عن حب النبي صلى الله عليه وسلم.

وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته، ثم قال بصوت متقطع : أنا،أنا، مثلي يتحدث عن محمد!!!

وأجهش باكياً، وطال بكاؤه، ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف، والطلبة يبكون بكاء المحب المشتاق لمحمد صلى الله عليه وسلم.

فكانت أبلغ محاضرة وأعمقها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

دمتم سالمين

 فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية

12/02/2020

0ردود على "المسؤولية تجاه الدين والأمة"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    نبذة عنا

    نحن جيل جديد مشرف على موقع تعليمي عبر الانترنت يسير بالأصالة نحو المعاصرةاقرأ المزيد
    جميع الحقوق محفوظة فريق د.مجدي العطار © 2017
    X