خطبة جمعة: جبر الخواطر

قال تعالى: “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ” (الحشر/23).

الجبار من أسماء الله الحسنى، ومعناه: العالي الذي لا يُنال، نقول نخلة جبارة؛ لشدة ارتفاعها، فلا نستطيع قطف ثمرها، ونقول ناقة جبارة، أي يصعب ركوبها، وذكر القرآن الكريم: “قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ” (المائدة/22).

نقول: الله الجبار، هل يجوز أن نقول فلان جبار؟

إذا قصدنا بالجبار: القاهر المتكبر، فهذه الصفة للخالق صفة مدح؛ لأنه صاحب الكمال، أما إذا نسبت إلى المخلوق، فهي صفة ذم؛ لأنه صاحب نقص.

وإذا قصدنا بالجبار، جبر الخواطر، أي مصلح الأمور، فهذه الصفة للخالق واضحة، فهو كثير الجبر نوعاً وكماً، وفي حق المخلوق ممدوحة، كما قال العلماء: ما عُبِدَ الله في الأرض، بأفضل من جبر الخواطر.

وموضوعنا اليوم عن جبر الخواطر، وهو موضوع مهم وخطير.

فالخاطر يأتي كأمل وألم، فمن جبر خاطري: أزال ألمي، ومن كسر خاطري: خيّب أملي.

فمن جبر خاطر أخيه المسلم، فاليعلم أنه جبر حياته هو في الدنيا والآخرة.

كما قيل عن الحسين اللؤلؤي من السلف الصالح: ما رأينا أحسن خلقاً منه، كان يكسو ممالكيه، كما يكسو نفسه.

ومن كسر خاطر أخيه المسلم، فاليعلم أنه كسر حياته هو في الدنيا والآخرة.

فامرأة قالت لضرتها التي لا تنجب: موتي غيظاً، في بطني ولد، وعلى يدي ولد، ويمشي أمامي ولد، وبعد بضع سنين، من كان يصدق أن هؤلاء الأولاد الثلاثة يموتوا تباعاً، وأن التي لا تنجب، رزقها الله الكريم بثلاثة أولاد؟!.. الله جبار.

ومن يصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر، يقف على رأس الأسرى، فيقول: “لو كان مطعم بن عدي حيًا، ثم استشفعني في هؤلاء؛ لشفّعته فيهم”.

فمن هذا المطعم بن عديّ الذي وصل إلى هذه المكانة العظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم؟، هو من قريش، والد الصحابي جبير بن مطعم رضي الله عنه.

المطعم بن عدي، جبر خاطر النبي، عندما كان أحد الستة الذين نقضوا الصحيفة الظالمة؛ لمقاطعة لبني هاشم التي كُتبت وعُلقت في الكعبة.

وهو الذي أجار النبي لدى رجوعه من الطائف عندما رفضت قريش دخوله إلى مكة.

وهو الذي أنقذ سعد بن عبادة رضي الله عنه من قريش، فقد علمت قريش بأمر بيعة العقبة الثانية، وقامت بمطاردة المبايعين بعد آدائهم للحج، وتمكنت من القبض على سعد بن عبادة، قام المطعم بتخليصه من أيدي القريش؛ لأنه كان يجير قوافلهما المارة بالمدينة، فرجع سعد ولم يمسسه سوء، والحمد لله.

وبعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، الذين صدوا النبي، غضبت قريش، كيف يستعين محمد بأهل الطائف علينا، لكن المطعم دعا بنيه وقومه، وقال: تلبسوا السّلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم.

فانتهى النبي محمد إلى الركن، فاستلمه، وصلى ركعتين، ثم ذهب إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محيطون به.

لكن للأسف توفي المطعم ولم يسلم، وكان عمره نيف وتسعون سنة، قيل: توفي قبل غزوة بدر بسبعو أشهر.

وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه: سمعت قول عبد الله بن أبي لأصحابه، وكان بمعزل عن جيش المسلمين، ولم يأبهوا لل لأني كنت غلامًا، فقال عبد الله المنافق لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فأبلغت عمي، وأبلغ غمي النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل النبي لعبد الله بن أبي، فجاء، وحلف وجحد.

صار الناس يلومون زيد، كيف تتهم الرجل بمثل هذا الكلام الخطير.

قال زيد: فوقع علي من الهم، ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير، قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله فأمسك أذني، وضحك في وجهي، فما كان (يسرني أني لي بها الخلد في الدنيا)، انظروا إلى عِظم أثر جبر الخاطر على صاحبها.

وصدّقني الله تعالى من سابع سماء، فنزل قوله سبحانه: “يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ” (المنافقون/8).

الخاتمة: نحن مع هذا البلاء والجائحة في شدة عظيمة لا تخفى على أحد، ولزوالها نحتاج إلى عبادتين عظيمتين.

الأولى: الدعاء، فالدعاء ما هو إلى قولنا: يا جبار، اُجبر خواطرنا، والعبادة الثانية: جبر خواطر المسلمين: بالمال والابتسامة والكلمة الطيبة. فمن جبر خواطر الناس، جبر الله خاطره.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية

0ردود على "خطبة جمعة: جبر الخواطر"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020