خطبة جمعة : صحبة الأخيار

قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف/67).

قال علي رضي الله عنه: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فأما المؤمنان، إذا مات أحدهما، فيقول المؤمن الميت: يا ربّ، إن فلانًا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، يا ربّ، فلا تضله بعدي، وأكرمه كما أكرمتني، ويقول المؤمن الحي: يا رب، إن فلانًا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، يا رب، فاغفر له ذنبه، واجمعنا به في جنتك. فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل. وأما الكافران، فإذا مات أحدهما، فيقول الكافر الميت: يا ربّ، إن فلانًا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، يا ربّ، فأضله بعدي، وأهنه كما أهنتني، ويقول الكافر الحي: يا رب، إن فلانًا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، يا رب، فلا تغفر له ذنبًا، ولا تجمعنا به في نارك. فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل.

فالصحبة الصالحة نعمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لو أن رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب؛ لجمع الله بينهما يوم القيامة”.

وعن سلمان رحمه الله: مثل الأخوين إذا التقيا، مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى. وقال : مالك بن دينار رحمه الله: إنّك إن تنقل الحجارة مع الأبرار، خيرٌ لك من أن تأكل الحلوى مع الفجار.

وبالمقابل الصحبة الطالحة نقمة، ولهذا قال سعيد بن أبي أيوب رحمه الله: لا تصاحب صاحب السوء، فإنه قطعة من النار، لا يستقيم وده، ولا يفي بعهده. ويقول أهل العلم: هل كان أفسد على أبي طالب من صحبة السوء؟!، أما قال له الشقي أبو جهل: كيف ترغب عن ملة آبائك وأجدادك؟!، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد من أبي طالب إلا كلمة واحدة، فقال: “يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله” (متفق عليه).

وكم هي حجم مآسي الصداقة والصحوبية على مواقع السوشيال ميديا، وأخطرها استسهال بعض الأزواج والزوجات لهذا الأمر، مع أن نتائج الدراسات الاجتماعية تؤكد على أن السوشيال ميديا من أخطر أسباب التفكك الأسري. فمع غياب الوازع الديني، ووجود الفراغ، وتوفر الهواتف مع النت، ظهرت ظاهرة تسمى الخيانة الإلكترونية، واطلقت حملات توعوية، مثل: مواقع التواصل الاجتماعي خربان بيوت، ودراسة عن جمعية المحامين الإيطاليين أن (20 %) من نسب الطلاق عندهم بسبب الفيس بوك. والدراسات الحديثة تقول: هناك ثلاثة مليارات شخص حول العالم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، أي ما يعادل (40%) من سكان العالم. كما أننا نقضي في المتوسط نحو ساعتين يوميًا في تصفح هذه المواقع والتفاعل من خلالها. والله تعالى يقول: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور/30).

الخطبة الثانية:

يقول أحدهم لي صديق منذ (20) سنة، بل هو أخ لي في الله تعالى، ذات يوم قلت له: يا فلان، أين وصلنا في صداقتنا؟، قال: هي لله وستبقى لله إن شاء الله، قلت له: سنجري اختبار، قال لي: تفضل، قلت: دعنا نتبادل محافظ النقود، وكل واحد يفتشّ محفظة الآخر، ضحك صديقي، وقال مازحًا: حسنًا، لكن لا تخبر زوجتي بما ترى. وفعلًا أخذ كل واحد محفظة الآخر، وبدأ التفتيش، وجدت قصاصات أوراق وبطاقات كثيره، لكن أحد تلك الأوراق ملأ وجهي دهشة!، سألته: ما هذا؟!، ابتسم وقال لي: هذا وصل مالي بكفالة يتيمين، قلت: ولم أحدهما بـإسمي؟!، قال: يا أخي، كفلت يتيماً عني ويتيمًا عنك، قلت: منذ متى؟، قال: منذ عامين، قلت: ولم فعلت هذا؟، أجابني: أحببت أن أجمع مع صحبتنا هذه صحبة أعظم منها، وهي صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لنا في الجنة، الذي قال: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين”. يقول:  ترقرقت عيناي بــالدمع، فلَم أستطع أن أنطق بحرف واحد، فالصحبة الصالحة نعمة خفية.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار

30/07/2021

0 responses on "خطبة جمعة : صحبة الأخيار"

    Leave a Message

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020