سر من أسرار الروح

خطر لي ذات مساء أن أقوم ببحث في سراديب ذاكرتي.

فأرصد في ورقة كل ما أحفظه من أرقام.

رقم جوزا السفر، ورقم السيارة، ورقم البيت، ورقم البطاقة العائلية، وتليفونات من أعرف من الأصدقاء، وتليفونات المصالح والجرائد، وأرقام جدول الضرب التي أحفظها غيبًا، وعمليات الجمع والطرح والقسمة الأولية التي أعرفها بالبداهة، وتواريخ ميلادي وميلاد أولادي، وثوابت الرياضيات والطبيعة، مثل النسبة التقريبية وسرعة الضوء وسرعة الصوت ومجموع زوايا المثلث ودرجة غليان الماء، وما تعلمته في كلية الطب عن نسبة سكر الدم وعدد الكريات الحمراء وعدد الكريات البيضاء وحجم الدم وسرعة النبض وسرعة التنفس وجرعات العقاقير.

وفي لحظات تجمعت تحت يدي عدة صفحات من مئات الأرقام.

تداعت في ذهني ولمعت كالبرق، وكأني كمبيوتر الكتروني، وكان المشهد مذهلاً.

كيف أحفظ هذا الكم الهائل من الأعداد، كل عدد يبلغ طوله ستة أو سبعة أرقام؟!.

وأين تختفي هذه الأرقام في تلافيف المخ؟، وكيف يتم استدعاؤها فتلمع في الوعي كالبرق الخاطف؟.

وكيف تتراكم المئات والمئات من هذه الأرقام في ذاكرتنا ولا تختلط ولا يطمس بعضها بعضا؟!.

وغير الأرقام، هناك الأسماء والاصطلاحات والكلمات، والأشكال والوجوه.

كلها تزدحم في رؤوسنا، وهناك معالم الطبيعة التي طفنا بها والأماكن التي زرناها، وهناك الروائح، ومع كل رائحة شخص نعرفه أو مشهد نذكره.

والسؤال الكبير بل اللغز المحير هو: أين توجد هذه الأشياء؟، أين هذا الأرشيف السري؟، وهو سؤال حاول أن يجيب عليه أكثر من عالم وأكثر من فيلسوف.

الفلاسفة الماديون قالوا: إن الذاكرة في المخ، وإنها ليست أكثر من تغيرات كيميائية كهربائية تحدث لمادة المخ، نتيجة الفعل العصبي للحوادث، تمامًا كما يحدث لشريط ریکوردر عند التسجيل، وإن هذه اللفائف المسجلة تحفظ بالمخ، وإنها تدور تلقائيًا لحظة محاولة التذكر، فتعيد ما كان في أمانة ودقة.

رأي مريح وسهل ولكنه أوقع أصحابه في مطلب لم يستطيعوا الخروج منه!.

فإذا كانت الذاكرة هي مجرد طارئ مادي يطرأ على مادة الخلايا، فينبغي أن تتلف الذاكرة؛ لأي تلف مادي،  فكل نقص في الذاكرة معينة، لا بد أن يقابله تلف في الخلايا المختصة المقابلة، وهو أمر لا يشاهد في إصابات المخ و أمراضه، بل ما يشاهد هو العكس.

أي يصاب مركز الكلمات، فلا تصاب ذاكرة الكلمات بأي تلف، وإنما الذي يحدث هو عاهة في النطق، وفي الأداء الحركي للعضلات التي تنطق الكلمات.

وهذا دليل على أن وظيفة المخ ليست الذاكرة و لا التذكر.

وإنما المخ هو مجرد سنترال يعطي التوصيلة، كما يفعل الراديو حينما يحول الموجة اللاسلكية إلى نبض كهربائي مسموع.

فإذا أصيب الراديو بعطل، فلا يكون معنى هذا العطل أن تتعطل موجة الإذاعة.

و هذا حال الذاكرة، فهي صور وأفكار و رؤی مستقلة مسكنها ومستقرها (الروح)، وليس المخ ولا الجسد.

وما المخ إلا وسيلة لنقل هذه الصور؛ لتصبح كلمات منطوقة مسموعة في عالم مادي.

فإذا أصيب المخ بتلف، يصاب النطق بالتلف ولا تصاب الذاكرة؛ لأن الذاكرة حكمها حكم الروح ولا يجري عليها ما يجري على الجسد.

وهكذا إذا مات الإنسان، يتلف الجسد، أما الذاكرة فهي باقية مع بقاء الروح!.

من روائع كتاب: رحلتي من الشك إلى الإيمان – د. مصطفى محمود، ص (21).

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار

29/11/2020

0ردود على "سر من أسرار الروح"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020