لماذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج علي من بنت أبي جهل

1.  مصدر القصة: في صحيح مسلم / كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ / بَابُ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ / حديث رقم 4609.

  1. نص الحديث: عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: “إن بني هشام ابن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها”.

  2. 3. التعريف بالسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت تكنى أم أبيها (ما شاء الله)، أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وأحبهن إليه، ولدت والكعبة تبنى، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين على المشهور، وقيل سنه إحدى وأربعين من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، تزوجها علي رضي الله عنه أوائل المحرم سنة ثنتين، وأصدقها درعه التي أعطاه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وفي زواجها بعث معها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخميلة ووسادة من جلد حشوها ليف ورحاءين وسقاءين. وانقطع نسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا من فاطمة. عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، ودفنت بالبقيع. أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام، فقد روي أنها قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء إني استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب، فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك شيئًا رأيته بأرض الحبشة؟، فدعت بجريد رطب فوقسته ثم طرحت عليه ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، فإذا أنا مت فاجعلوا علي هذا. كانت رضي الله عنها أشبه الناس كلامًا ومشيةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت إذا دخلت عليه، قام إليها، فقبلها ورحب بها، كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه وسلم. ولم يكن أحد من أولاد النبي صلى الله عليه وسلم حيا حين وفاته إلا فاطمة، وأحس صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت جزع فاطمة عليه وحسرتها وآلامها عند موته، فأراد تخفيف الصدمة عليها وتهيئتها لاستقبال الفجيعة وإعلامها بالمصيبة قبل حصولها، فأسر إليها أنه يتوقع حضور الأجل في هذا المرض، فبكت بكاءً شديدًا، فأسر إليها أنها أول أهله لحوقًا به، فسرت كثيرًا وضحكت رضي الله عنها وأرضاها.

  3. 4. “إن بني هاشم بن المغيرة”: بنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل؛ لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما، وقد خطب علي رضي الله عنه بنت أبي جهل من عمها الحارث بن هشام، فقال له: لا نزوجك على فاطمة إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن له، ثم خطب الناس يبين سبب عدم إذنه؛ لئلا تذهب النفوس مذاهب غير سليمة. وقيل: إن سبب الخطبة ما أشيع عن خطبة علي ابنة أبي جهل قبل أن يستأذن، فلما سمعت بذلك فاطمة، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل. (رواية ابن حبان)، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب على المنبر.

  4. 5. “استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب”: أخرج الحاكم أن عليا رضي الله عنه استشار النبي صلى الله عليه وسلم بشأنها بعد أن خطبها من عمها، سأله عنها؟، فقال له صلى الله عليه وسلم: “أعن حسبها تسألني؟”، فقال: لا، ولكن أتأمرني بها؟ قال: “لا، فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع”، فقال علي: لا آتي شيئا تكرهه.

  5. 6. اختلف في اسم ابنة أبي جهل، فقيل: جويرية وهذا الأشهر، وقيل: العوراء، وقيل: الحنفاء، وقيل: جرهمة، وقيل: جميلة.

  6. 7. “فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم”: كرر ذلك ثلاثًا للتأكيد.

  7. 8. “إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم”: الاستثناء مفرغ من عموم الأحوال أو الأزمنة، أي لا آذن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات، إلا في حال طلاقه ابنتي أو في وقت طلاقه ابنتي فآذن، حيث لا يحتاج شرعًا إلى إذني حينئذ.

  8. 9. “فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها” بضعة أي قطعة، ويريبني بفتح الياء، والريب ما دخلك من شيء خفت عقباه.

  9. 10. “وإني أتخوف أن تفتن في دينها”: فتقع منها المعصية بسبب الغيرة، يعني أنها لا تصبر على الغيرة، فيقع منها في حق زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدين.

  10. 11. “ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس”: هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، تزوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، أسلمت زينب ولم يسلم، حارب في صفوف الكفار يوم بدر، فكان من الأسرى، ولما بعثت قريش فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة لها، كانت أمها خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها؟، ففعلوا، فاشترط عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل زينب إلى المدينة، وأن يخلي سبيلها، فوفى وفعل. وفي جمادى سنة ست من الهجرة خرج أبو العاص بن الربيع في عير لقريش إلى الشام، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العير بناحية العيص، وفيهم أبو العاص، فقالوا له: يا أبا العاص، إنك في شرف من قريش وأنت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل لك أن تسلم، فتغنم ما معك من أموال أهل مكة؟، قال: بئسما أمرتموني به، أن أنسخ ديني بغدرة، فأسروه وجماعة، وأخذوا العير وعادوا إلى المدينة وربط الأسرى بالمسجد، وعلمت به زينب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، نادت زينب: إني أجرت أبا العاص بن الربيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل سمعتم ما سمعت؟”، قالوا: نعم، قال: “والذي نفس محمد بيده، ما علمت شيئًا مما كان، حتى سمعت، وإنه يجير على المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من أجارت”، ثم أمرها أن لا يقربها، فطلبت أن يرد على أبي العاص ما كان في القافلة، ففعل، فمضى أبو العاص إلى مكة، فأدى الحقوق لأهلها، ثم قام فقال: يا أهل مكة هل أوفيت ذمتي لكم؟، قالو: اللهم نعم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرًا قبل الفتح بقليل، فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته. رزق أبو العاص من زينب ولدًا يسمى عليًا مات في حياة أبيه، وقد ناهز الاحتلام، وبنتًا تسمى أمامة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في صلاته، وعاشت حتى تزوجها علي رضي الله عنه بعد وفاة خالتها فاطمة ،وتوفي أبو العاص في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة من الهجرة.

  11. 12. “فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، قال: “حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي”: الصهر يطلق على الزوج وأقاربه، وأقارب المرأة، وهو مشتق من صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته، والمصاهرة مقاربة بين الأجانب والمتباعدين، وقوله فأحسن أي أحسن الثناء عليه، وكان مما قال في ثنائه: حدثني فصدقني، يشير بذلك إلى ما مضى في القصة عند فك أسره ببدر، وأنه لن يسلم حتى يعتقد ويصدق، ومع ذلك أحسن عشرة زينب وأحبها، وأرادت قريش منه أن يطلقها، فأبى، ومما قاله صلى الله عليه وسلم في ثنائه: “ووعدني فأوفى لي”: إشارة إلى ما سبق في القصة من وفائه بإخلاء سبيل زينب، ووفائه بالإسلام بعد أن يؤدي لقريش حقوقها.

  12. 13. “وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما”: بعدم إذني لعلي أن يتزوج على فاطمة أي لا أقول شيئا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه وإذا حرم شيئا لم أحلله، فعدم إذني لعلي ليس تحريمًا عليه ما أحل.

  13. 14. النهي عن الجمع بين فاطمة وبين بنت أبي جهل حينئذ ليس لذاته، وإنما لما يؤدي إليه، والشيء قد يكون مباحًا في ذاته، لكنه يمنع وينهى عنه إذا كان وسيلة لمحرم، من قبيل إعطاء الوسيلة حكم الغاية، كالخطوات، فإنها إن كانت للصلاة كان لها الأجر، وإن كانت لفاحشة كان عليها الوزر.

  14. 15. وقال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على علي أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه علل بأن ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق.

  15. 16. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتزوج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة عليها السلام.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار

03/07/2020

0ردود على "لماذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج علي من بنت أبي جهل"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    نبذة عنا

    نحن جيل جديد مشرف على موقع تعليمي عبر الانترنت يسير بالأصالة نحو المعاصرةاقرأ المزيد
    جميع الحقوق محفوظة فريق د.مجدي العطار © 2017
    X