من المقدم: أنا أم الإسلام .. ؟!

2017-01-13:

قال تعالى: “فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى” (النازعات:37-41) .. فمن تابع هواه، كان مأواه الجحيم، ومن خالف هواه، كان مأواه الجنة .. ومخافة الهوى ليست بالقول إنما هي العزم والفعل، فهل تصدقون أن فلاحاً يقول: أعوذ بالله من القحط ولا يعمل ولا يحرث أرضه، سنقول أنه غير صادق بهذه الاستعاذة، ولو قال الطالب: أعوذ بالله من الرسوب، هل يغنيه هذا شيئاً، إلا إذا أقبل على القراءة والدراسة، وبالمثل لو قال المسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهل يجديه هذا التعوذ إلا إذا كان مقاوماً للهوى ومدافعاً للسيئات!.

قال تعالى: “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ” (الرحمن:66)، قيل: هو العبد يهوى المعصية، فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا، ومقامه بين يديه سبحانه في الآخرة، فيتركها لله .. وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به” .. وقال علي بن سهل رحمه الله: العقل والهوى يتنازعان، فالتوفيق قرين العقل، والخذلان قرين الهوى، والنفس واقفة بينهما، فأيهما غلب كانت النفس معه.

واعلموا رحمكم الله، أن الريح الشديدة قد تهب على الصحراء فتثير رمالاً، وقد تهب على المياه فتحدث أمواجاً عاتية، أما إذا هبت على الجبال الشامخة، فلا تنال منها، فكنت أيها المؤمن، كالجبل الشامخ إيماناً .. والسؤال ما الذي يعيننا على ترك الثبات على الإسلام؟!، أولاً: أن تلاحظ العاقبة، قال علي رضي الله عنه: الدنيا قد أدبرت، والآخرة قد أقبلت، وإن المضمار اليوم، وغداً السباق، ألا وإنكم في أيام أمل، وسوف تقدمون على أيام جزاء، ثانياً: إن لم تلاحظها فيك، لاحظها في غيرك، ألم يمت؟، ماذا بعد الموت؟، كلنا سمع القبر؟، لكن ماذا بعد القبر؟، كلنا علم أنه إما أن يكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران .. من الذي يحدد المصير، أنت!، لكن كما يقال: ما دام في العمر بقية، فكل شيء يمكن إصلاحه، لك أن تتوب توبةً نصوحاً، لك أن تكفر عن السيئات السابقة، لك أن تؤدي الحقوق إلى أصحابها، لك أن تصطلح مع الله، لك أن تفتح مع الله صفحة جديدة، فالله يغفر ويقبل ويعفو، قال تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر/53).

 ويروى في كتب السيرة: أن عبد الله بن أبي رواحة رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل خيبر ليأخذ الجزية منهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال هذه الكلمة: والله لقد جئتكم من عند أحبّ الخلق إليّ، من عند رسول الله، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، وما يحملني حبي للنبي الكريم وبغضي لكم، على ألا أعدل معكم، فقالوا أحبارهم: بهذا قامت السموات والأرض .. أي بالعدل، أوليس من أكبر الظلم، أن تظلم نفسك، وتحرمها من خير الإسلام، لكن تذكر قوله تعالى: ” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” (الشمس:7-10).

ختاماً: حال المسلمين وبلادهم لا يخفى على أحد، والله تعالى يقول: “وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (المنافقون:8)، ‏فإذا كانت العزة في قلوبنا للإسلام، فسيأتي النصر تحصيل حاصل، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” (محمد/7)، وما أشبه اليوم بالبارحة .. فلم يغيب عن أذهاننا ما فعله المغول من ويلات في بلادنا، فمثلاً استمر القتل والتدمير سبع سنين متواصلة .. وحتى نتصور أين وصل ملك التتار، فقد قسم جنكيز خان إمبراطوريته بين أبنائه، فأعطى أحدهم بلاد روسيا وخوارزم والقوقاز، وآخر بلاد ما وراء النهر، وآخر خراسان وفارس وآسيا الصغرى وبلاد العرب، وآخر بلاد المغول والصين وتركستان الشرقية .. لكن سبحان الله، بدء المغول يدخلون في الإسلام بعد خمسة وثلاثين عامًا من دخولهم ديار المسلمين، وأصبحت الغالبية العظمى منهم مسلمين .. والعجيب أن سبب دخولهم للإسلام على يد امرأة مؤمنة صالحة!، فإن  أول من أسلم من ملوك التتار أحد أبناء جنكيز خان، وسبب اسلامه تأثره بزوجة أبيه (رسالة بنت خوارزم شاه)، وقد أخذت أسيرة في الحرب، تأثر بأخلاقها وبكلامها، وبقي كذلك حتى التقى بأحد علماء المسلمين، يستفسر عن الإسلام، فشرح الله صدره واعتنق الإسلام سنة 648هـ .. واليوم هناك جمهورية تتاريا إحدى الجمهوريات الإسلامية التي تتمتع بالحكم الذاتي في ظل الاتحاد الروسي، ونسبة المسلمين فيها تتجاوز الـ(65%)، يقول غوسمان (مفتي تتارستان): ينتشر الإيمان في دمنا وعظامنا، يمكنك أن تخلع عن الواحد منا ثيابه وأن تلقيه في غياهب السجون، لكنك لا تستطيع أن تنتزع منه إيماناً يمارس من ألف عام، ويضيف الناس هنا ليسوا ملحدين، على رغم أن ثلاثة أجيال نشأت تحت الحكم السوفياتي، اليوم يعود كثيرون منهم إلى الاهتمام بالإسلام، فمثلاً في عام (1990م) في عهد السوفييت لم يكن هناك سوى مسجد واحد في العاصمة (قازان)، أما اليوم فهناك خمسون مسجداً.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .. آمين

ودمتم سالمين

فريق (د. مجدي العطار) 

0 responses on "من المقدم: أنا أم الإسلام .. ؟!"

    Leave a Message

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020