وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

2017-01-27:

     قال تعالى: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا” (النحل/18)، إذا أعطيناك مائة دينار تعدها، مليون تعده، لكن إذا أضفنا إلى المليون (6) أصفار، يصبح الأمر مرهق أو مستحيل، وانظر رحمك الله، إلى صيغة الجمع “تعدوا”، فنعم الله تعالى، حتى مع الجماعة، لا تستطيع عدها.

     واعلم رحمك الله، أن أم النعم ومفتاحها (نعمة: رضى الرحمن)، فإنه إذا رضي سبحانه، أدهشك بعطائه: فلو أردت الحصول على تأشيرة لزيارة بلد ما، فيقال لك: لا بد من توقيع مدير الجوازات، فلو ذهبت إلى مبنى الجوازات، وبدأت تطلب وتترجى الموظف على البوابة أن يوقع لك التاشيرة، سيقول لك: ليس من صلاحياتي، إنما عليك بالمدير، ولو بقيت بعدها سنة وأنت تترجى الموظف، هل سينفعك بشيء؟، لا، بل لا بد من الذهاب إلى المدير؛ للحصول على المطلوب، ولله المثل الأعلى، تاه المسلمون، وهم يرجون الخير عند من لا يملكها، فهذا عبد الدرهم والدينار، وهذا عبد زوجته، وهذا باع دينه لجاه، وهذا باع دينه لأصحابه.

     وللخروج من هذا التيه، علينا بمعرفة من أين تأكل الكتف! .. فلو كنت تقود سيارة تسير في منحدر، ومن حولك مناظر طبيعية خلابة، هل ستستمتع بها؟!، إذا كنت تعلم بأن نهاية هذا المنحدر هناك منعطف حاد، وأنت لا تملك كوابح في سيارتك!، إن كانت الإجابة بنعم، لقال الناس: مجنون!.

     آن لنا معشر المؤمنين أن نفهم الحكمة القائلة: صنفان من الناس، إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، الأمراء والعلماء.

    لكن قد يظن البعض: أن الصلاح محصور في الأمراء والعلماء، وبالتالي هو لا دور له، ومسؤولية الصلاح على الأمير والعالم فقط، نقول: ما منا من أحد، إلا وهو أمير وعالم، فأنت أمير على نفسك، وأمير في بيتك، وأمير في عملك، وهكذا، لكن الإمارة تحتاج إلى علم ومعرفة، فمن أراد التجارة، عليه معرفة الحلال والحرام وإلا هلك، ومن أراد الزواج، عليه معرفة معاملة الزوجة وتربية الأبناء وإلا هلك، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر.

    ومن هنا لا بد من أخذ العلم من أهله، كما قال تعالى: “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (النحل/43)، وقال ابن سرح رحمه الله، وتوفي سنة (250هـ): (قد صار (لا أدري) عند أهل زماننا هذا عيبًا)، فكيف به لو أدرك أهل زماننا!؟.

    وقال وهب بن منبه رحمه الله لرجل من جلسائه: ألا أعلمك طباً لا يتعايا فيه الأطباء، وفقهاً لا يتعايا فيه الفقهاء، وحلماً لا يتعايا فيه الحلماء؟، قال: بلى، يا أبا عبد الله، قال: أما الطب الذي لا يتعايا فيه الأطباء، فلا تأكل طعاماً إلا سميت الله على أوله، وحمدته على آخره، وأما الفقه الذي لا يتعايا فيه الفقهاء، فإن سئلت عن شيء عندك فيه علم، فأخبر بعلمك، وإلا فقل: لا أدري، وأما الحلم الذي لا يتعايا فيه الحلماء، فأكثر الصمت، إلا أن تسأل عن شيء.

      ودمتم سالمين

فريق د. مجدي العطار

0 responses on "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"

    Leave a Message

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020