2 تساؤلات قرآنية: سورة الفاتحة: آية2: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”

“الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”

 [1]: “الْحَمْدُ”:

س): “الْحَمْدُ”: ما معناها؟

القرطبي: الْحَمْدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ الْكَامِلُ، وَالْمُحَمَّدُ: مَنْ كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْمَحْمُودَةِ. وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الشَّاعِرُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رضي الله عنه: فَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ***فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ.

س): ما الفرق بين الحمد والمدح؟

الرازي: 1: الْمَدْحُ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ وَلِغَيْرِ الْحَيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَأَى لُؤْلُؤَةً فِي غَايَةِ الْحُسْنِ أَوْ يَاقُوتَةً فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْدَحُهَا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْمَدَهَا، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ .

2: الْمَدْحُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أَمَّا الْحَمْدُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْإِحْسَانِ .

3: الْمَدْحُ قَدْ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ”، أَمَّا الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ لَمْ يَحْمَدِ النَّاسَ، لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ”.

س): ما الفرق بين الحمد والشكر؟

الرازي: 1: الْحَمْدُ يَعُمُّ مَا إِذَا وَصَلَ ذَلِكَ الْإِنْعَامُ إِلَيْكَ أَوْ إِلَى غَيْرِكَ، وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْعَامِ الْوَاصِلِ إِلَيْكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ.

2: قِيلَ: الْحَمْدُ عَلَى مَا دَفَعَ اللَّهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرُ عَلَى مَا أَعْطَى مِنَ النَّعْمَاءِ.

البغوي: 3: قِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا، وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا، قَالَ تَعَالَى: “وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا” (الإسراء/111)، وَقَالَ تعالى: “اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا” (سبأ/13).

[2]: “الْحَمْدُ لِلَّهِ”:

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: ما معناها؟

ابن كثير: معناها الشكر الخالص لله تعالى.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله كلمة كل شاكر.

وقال ابن جرير رحمه الله: الحمد لله ثناء أثنى به سبحانه على نفسه، وأمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا الحمد لله.

وقال عمر لعلي رضي الله عنهما: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، قد عرفناها، فما الحمد لله؟، قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: لِمَ لَمْ يقل أَحْمَدُ اللَّهَ؟

الرازي: 1: لَوْ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ، أَفَادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ الْقَائِلِ قَادِرًا عَلَى حَمْدِهِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَدْ أَفَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الْحَامِدِينَ، وَقَبْلَ شُكْرِ الشَّاكِرِينَ، فَهَؤُلَاءِ سَوَاءٌ حَمِدُوا أَوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وَسَوَاءٌ شَكَرُوا أَوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهُوَ تَعَالَى مَحْمُودٌ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ.

2: قَوْلًنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ حُقٌّ لِلَّهِ وَمِلْكُهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَيَادِيهِ وَأَنْوَاعِ آلَائِهِ عَلَى الْعِبَادِ، فَقَوْلُنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذَاتِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، أَوْلَى مِنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا حَمِدَهُ .

3: لَوْ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ لَكَانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لَا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَنَا حَتَّى أَحْمَدَهُ؟، لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الْحَامِدِينَ، مِثَالُهُ: مَا لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ؟، فَإِنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ، وَلَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، وَلَوْ قُلْتَ فِي الْجَوَابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلَى كُلِّ الْخَلَائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأَكْمَلِ الْمَحَامِدِ.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: اللام ما تفيد؟

الرازي: 1: الِاخْتِصَاصُ اللَّائِقُ كَقَوْلِكَ: الْجُلُّ لِلْفَرَسِ.

2: الْمِلْكُ، كَقَوْلِكَ: الدَّارُ لِزَيْدٍ.

3: الْقُدْرَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ، كَقَوْلِكَ: الْبَلَدُ لِلسُّلْطَانِ.

وَاللَّامُ فِي: “الْحَمْدُ لِلَّهِ”، يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ.

فَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ اللَّائِقِ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ الْحَمْدُ إِلَّا بِهِ لِغَايَةِ جَلَالِهِ وَكَثْرَةِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ.

وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْمِلْكِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْهُمْ كَوْنَهُمْ مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ.

وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقُدْرَةِ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ، وَمَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْوَاجِبُ لِذَاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْمُمْكِنِ لِذَاتِهِ.

فَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ، وَبِمَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ مِلْكُهُ وَمَلَكَهُ، وَبِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْكُلِّ وَالْمُسْتَعْلِي عَلَى الْكُلِّ.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: هل لها فضائل؟

الرازي: 1: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، فَمَنْ قَالَ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ عَنْ صَفَاءِ قَلْبِهِ، اسْتَحَقَّ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.

2: وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ مَا لَا قَدْرَ لَهُ، فَأَعْطَانِي مَا لَا قِيمَةَ لَهُ.

3: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَاضِي، وَتَعَلُّقٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْمَاضِي، فَهُوَ أَنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلَى النِّعَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: “لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” (إِبْرَاهِيمَ/7).

القرطبي: 4: الْحَمْدُ لِلَّهِ هِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ: قَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ”، وَقَالَ دَاوُدٌ وَسُلَيْمَانَ: “وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ”، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا”، وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ”، “وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

5: أَلَا تَرَى سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَيْفَ أَظْهَرَ الْعَجْزَ بِقَوْلِهِ: “لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ”.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا مَحْمُودَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى؟

الرازي: النِّعْمَةُ لَا تَكُونُ كَامِلَةً إِلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: 1: أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَةً، وَالِانْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُدْرَكًا، وَكَوْنُهُ مُدْرَكًا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى . 2: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَكُونُ نِعْمَةً كَامِلَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ وَالْغَمِّ، وَإِخْلَاءُ الْمَنَافِعِ عَنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. 3: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَكُونُ نِعْمَةً كَامِلَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ آمِنَةً مِنْ خَوْفِ الِانْقِطَاعِ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالنِّعْمَةُ الْكَامِلَةُ، لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْحَمْدَ الْكَامِلَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْبَرَاهِينِ صِحَّةُ أَنَّهُ لَا مَحْمُودَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.

س): لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَا السَّبَبُ هَاهُنَا فِي وُقُوعِ الْبِدَايَةِ بِالتَّحْمِيدِ؟

الرازي: التَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلَى التَّسْبِيحِ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، وَالتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى كَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَى الْخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فَالتَّسْبِيحُ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِهِ تَعَالَى تَامًّا، وَالتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى فَوْقَ التَّمَامِ؛ فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالتَّحْمِيدِ أَوْلَى.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ”: كيف يؤدي العبد حقها؟

القرطبي: قَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ رحمه الله: عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَوَّلُهَا: إِذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ شَيْئًا، تَعْرِفُ مَنْ أَعْطَاكَ، وَالثَّانِي: أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ، وَالثَّالِثُ: مَا دَامَتْ قُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ أَلَّا تَعْصِيَهُ، فَهَذِهِ شَرَائِطُ الْحَمْدِ.

[3]: “رَبِّ”:

س): “رَبِّ”: ما معناها؟

ابن كثير: الرب هو المالك المتصرف، وفي اللغة تطلق على السيد.

وكلمة الرب لوحدها لا تستعمل إلا لله عز وجل، أما في الإضافة، فجائز، مثل: زيد رب الدار.

القرطبي: وكذلك إذا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى “رَبِّ” اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ؛ لِأَنَّهَا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ حَذَفْنَا مِنْهُ، صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ.

وَالرَّبُّ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالرَّبُّ هُوَ السَّيِّدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: “اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ”، وَفِي الْحَدِيثِ: “أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا” أَيْ سَيِّدَتَهَا.

وَالرَّبُّ: الْمُصْلِحُ وَالْمُدَبِّرُ وَالْجَابِرُ وَالْقَائِمُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّبَّانِيُّونَ لِقِيَامِهِمْ بِالْكُتُبِ، وَفِي الْحَدِيثِ: “هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ”، أَيْ تَقُومُ بِهَا وَتُصْلِحُهَا.

س): “رَبِّ”: ما اشتقاقها؟

القرطبي: 1: صِفَةَ فِعْلٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: “وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ”، فَسَمَّى بِنْتَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً؛ لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَهَا .

2: صِفَةَ ذَاتٍ، عَلَى أَنَّ الرَّبَّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ.

س): ما أقسام المربي؟

الرازي: الْمُرَبِّي عَلَى قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ الْمُرَبِّي، وَالثَّانِي: أَنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ الْمُرَبِّي.

وَتَرْبِيَةُ كُلِّ الْخَلْقِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرَبُّونَ غَيْرَهُمْ؛ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ: إِمَّا ثَوَابًا أَوْ ثَنَاءً.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ تَعَالَى يُرَبِّي وَيُحْسِنُ، وَهُوَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُرَبِّينَ وَبِخِلَافِ سَائِرِ الْمُحْسِنِينَ.

[4]: “الْعَالَمِينَ”:

س): “العالمين”: ما معناها؟

ابن كثير: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق السماوات والأرض، وما فيهن، وما بينهن، مما نعلم ومما لا نعلم.

وقال ابن المعتز رحمه الله: فيا عجباً  كيف يعصى الإله***أم كيف يجحده الجاحد. وفي كل شيء له آية***تدل على أنه واحد.

القرطبي: قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ رحمهما الله: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً.

البغوي: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ رضي الله عنه: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، أَمَا قَالَ تَعَالَى: “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ” (المدثر/31).

 [5]: “رَبِّ الْعَالَمِينَ”:

س): “رَبِّ الْعَالَمِينَ”: من فضائلها؟

القرطبي: ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتِمَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، قُلْ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَنِ الْعَالَمِينَ حَتَّى تُذْكَرَ مَعَ الْحَقِّ؟، قَالَ: قُلْ يَا أَخِي، فَإِنَّ الْمُحْدَثَ إِذَا قُرِنَ مَعَ الْقَدِيمِ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ.

[6]: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”:

س): ما أنواع من يمدحون ويعظمون في الدنيا؟

الرازي: الَّذِي يُحْمَدُ وَيُمْدَحُ وَيُعَظَّمُ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِأَحَدِ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ :

1: إِمَّا لِكَوْنِهِ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ وَفِي صِفَاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِحْسَانٌ إِلَيْكَ .

2: وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَيْكَ وَمُنْعِمًا عَلَيْكَ .

3: وَإِمَّا لِأَنَّكَ تَرْجُو وَصُولَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ .

4: وَإِمَّا لِأَجْلِ أَنَّكَ تَكُونُ خَائِفًا مِنْ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَمَالِ سَطْوَتِهِ.

فَهَذِهِ الْحَالَاتُ هِيَ الْجِهَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ.

فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الْكَمَالَ الذَّاتِيَّ، فَاحْمَدُونِي فَإِنِّي إِلَهُ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ”، وَإِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الْإِحْسَانَ، فَأَنَا “رَبُّ الْعَالَمِينَ”، وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَأَنَا “الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ”، وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ، فَأَنَا “مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ”.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”: ما فضلها؟

القرطبي: 1: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا” (رواه مسلم).

2: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” (صحيح مسلم).

3: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ” (رواه ابن ماجه).

4: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَعَضَلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ (أَعْضَلَ الْأَمْرُ: أَيْ اشْتَدَّ وَاسْتَغْلَقَ)، فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا، فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَا: يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدَكَ، قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا؟، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟، قَالَا: يَا رَبِّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمَا: اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي، فَأَجْزَيهُ بِهَا” (رواه ابن ماجه).

5: وَقَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: مَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهَا.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”: هي أفضل أم “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”؟

القرطبي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِهِ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وَحَمْدٌ، وَفِي قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدٌ فَقَطْ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ” أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تَدْفَعُ الْكُفْرَ وَالْإِشْرَاكَ، وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ الْخَلْقُ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ رحمه الله: وَالْحَاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ”.

س): “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”: هل من قصص معها؟

الرازي: 1: قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ رحمه الله: كَيْفَ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالطَّاعَةِ؟، قَالَ: أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً وَاحِدَةً: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟، قَالَ: وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي بَغْدَادَ وَاحْتَرَقَتِ الدَّكَاكِينُ وَالدُّورُ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ دُكَّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَكَانَ مَعْنَاهُ أَنِّي فَرِحْتُ بِبَقَاءِ دُكَّانِي حَالَ احْتِرَاقِ دَكَاكِينِ النَّاسِ، وَكَانَ حَقُّ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ لَا أَفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأَنَا فِي الِاسْتِغْفَارِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ جَلِيلَةَ الْقَدْرِ إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ رِعَايَةُ مَوْضِعِهَا.

2: أَوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا أَبُونَا آدَمُ هُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ هُوَ قَوْلُنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الرُّوحَ إِلَى سُرَّتِهِ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: “وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (يُونُسَ/10).

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار dralatar

معرفة قيم مهارات مجانية

0ردود على "2 تساؤلات قرآنية: سورة الفاتحة: آية2: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ""

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار2017- 2020