تفسير سورة الزمر (68 – 70):

جمعية اليتيم المبدع – تدريب الأمهات  جلسة تدريبية رقم (298) الأربعاء: (12 – 2 – 2020م)

[68]: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ”:

(1): اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ، أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَّرَ كَمَالَ عَظَمَتِهِ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، أَرْدَفَهُ بِذِكْرِ طَرِيقَةٍ أُخْرَى، تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَذَلِكَ شَرْحُ مُقَدِّمَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ نَفْخَ الصُّورِ يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

(2): “فَصَعِقَ”: 1: أَنَّ الصَّعْقَةَ غَيْرُ الْمَوْتِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: “وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا” (الْأَعْرَافِ/143)، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، فَهَذَا هُوَ النَّفْخُ الَّذِي يُورِثُ الْفَزَعَ الشَّدِيدَ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: “وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ” (النَّمِل/87)، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَنَفْخُ الصُّوَرِ لَيْسَ إِلَّا مَرَّتَيْنِ. 2: أَنَّ الصَّعْقَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَوْتِ، أَيْ إِنَّهُمْ يَمُوتُونَ مِنَ الْفَزَعِ وَشِدَّةِ الصَّوْتِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَالنَّفْخَةُ تَحْصُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوَّلُهَا: نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيَامِ، وَهُمَا مَذْكُورَتَانِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .

(3): “إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ”: مَنْ هُمْ؟، الْجَوَابُ: 1: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عِنْدَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، يَمُوتُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يُمِيتُ اللَّهُ مِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، وَيَبْقَى جِبْرِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، ثُمَّ يُمِيتُ جِبْرِيلَ. 2: هُمُ الشُّهَدَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: “بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آلِ عِمْرَانَ/169). 3: قَالَ جَابِرٌ  رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هَذَا الْمُسْتَثْنَى هُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً، فَلَا يُصْعَقُ ثَانِيًا. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ” (صَحِيحُ الْبُخَّارِيُّ). 4: قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُمْ مَنْ هُمْ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَنْ هُمْ.

(4): “ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ”: هَذِهِ النَّفْخَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ النَّفْخَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ لَفْظَ “ثُمَّ” يُفِيدُ التَّرَاخِيَ.

(5): “أُخْرَى”: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ نَفْخَةٌ أُخْرَى.

(6): “فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ”: يَعْنِي قِيَامَهُمْ مِنَ الْقُبُورِ يَحْصُلُ عَقِيبَ هَذِهِ النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: “فَإِذَا” تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ .

(7): “يَنْظُرُونَ: 1: يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي الْجِهَاتِ، نَظَرَ الْمَبْهُوتِ إِذَا فَاجَأَهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ. 2: يَنْظُرُونَ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِمْ.

كل إنسان ينتظر يوم القيامة ماذا يُفعل به؟!، وكل عملك في الدنيا سيظهر في هذه الساعة، فماذا أعددت لها؟. قال تعالى: “أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ” (الشورى/53).

[69]: “وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ”:

(1): “وَأَشْرَقَتِ”: أي ظهرت وأنارت، فإذا كان الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، فما مصدر هذا النور؟، إنه العَدْلُ. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:  (أتمنَّى أن أموت، لا لي ولا عليّ)؛ لأن الأمر خطير جداً.

(2): “الْأَرْضُ”: هَذِهِ الْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ، لَيْسَتْ هِيَ هَذِهِ الْأَرْضَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ” (إِبْرَاهِيمَ/48)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: “وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً” (الْحَاقَّةِ/14)، بَلْ هِيَ أَرْضٌ أُخْرَى يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَحْفَلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

(3): “بِنُورِ رَبِّهَا”: 1: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نُورًا، وَأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ النُّورِ هَاهُنَا عَلَى الْعَدْلِ، فَالنَّاسُ يَقُولُونَ لِلْمَلِكِ الْعَادِلِ: أَشْرَقَتِ الْآفَاقُ بِعَدْلِكَ، وَأَضَاءَتِ الدُّنْيَا بِقِسْطِكَ، كَمَا يَقُولُونَ: أَظْلَمَتِ الْبِلَادُ بِجُورِكَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (صَحِيحُ مُسْلِمٍ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: “وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ”، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَجِيءَ بِالشُّهَدَاءِ لَيْسَ إِلَّا لِإِظْهَارِ الْعَدْلِ، وَأَيْضًا قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: “وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”. 2: أَنَّ نُورَ تِلْكَ الْأَرْضِ، مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِنَا: بَيْتُ اللَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْجَوَابِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ وَالذَّهَابِ إِلَى الْمَجَازِ .

(4): “وَوُضِعَ الْكِتَابُ”: 1: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ شَرْحُ أَحْوَالِ عَالَمِ الدُّنْيَا إِلَى وَقْتِ قِيَامِ الْقِيَامَةِ. 2: كُتُبُ الْأَعْمَالَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: “وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا” (الْإِسْرَاءِ/13)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: “مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا” (الْكَهْفِ/49).

(5): “وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ”: وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا” (النِّسَاءِ/41)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: “يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ” (الْمَائِدَةِ/109).

(6): “وَالشُّهَدَاءِ”: 1: الْمُؤْمِنِينَ، كَقَوْلُهُ تَعَالَى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” (الْبَقَرَةِ/143). 2: الْحَفَظَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: “وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ” (ق/21). 3: الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. الذين بذلوا دماءهم من أجلنا، هؤلاء الذين فتحوا البلاد من أجل نشر الحق، وها نحن نرى قبور الصحابة الكرام في كل أطراف الدنيا.

(7): “وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ”: أَنَّهُ تَعَالَى يُوصِلُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ حَقَّهُ.

(8): “وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ”: قال تعالى: “لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ” (غافر/17)، كل إنسان نال جزاءه الأوفى الكامل، لذلك قالوا: عدل الله يسكت الألسنة.

[70]: “وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ”:

(1): “وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ”: أَيْ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

كما قال تعالى: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” (الزلزلة/7 – 8).

(2): “وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ”: فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمُثِيبُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءِ بِمَا أَسَاءَ.

مدح رجل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فتوجَّه أبو بكر إلى الله عزَّ وجل، وقال: (يا رب أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون).

دمتم سالمين

 فريق د.مجدي العطار  

0ردود على "تفسير سورة الزمر (68 – 70):"

    اترك رسالة

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    نبذة عنا

    نحن جيل جديد مشرف على موقع تعليمي عبر الانترنت يسير بالأصالة نحو المعاصرةاقرأ المزيد
    جميع الحقوق محفوظة فريق د.مجدي العطار © 2017
    X