القرآن الكريم : حياة القلوب :

2016-09-29:

%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86

قال سبحانه وتعالى: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا” (الإسراء:9).. القرآن الكريم كتاب هداية في الدنيا، وبشرى للمؤمنين بالجنة في الآخرة.

%d8%ad%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86

وليس هناك أطيب من مائدة القرآن نجتمع عليها: قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم: إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (صحيح مسلم)، فماذا نريد أعظم من: سكينة ورحمة وصحبة ملك وذكر في الملأ الأعلى.

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d8%a9

وانظروا إلى عظم وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقارئ القرآن الكريم، قال: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ” (صحيح البخاري).. لنقف مع “الأترجة”، وما الحكمة من تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة؟، قيل: لفائدتها وطيب طعمها وريحها  كالتفاحة، وقد قيل: أن أحد ملوك (الأكاسرة) سجن بعض الأطباء، وأمر ألا يقدم لهم من الأكل إلا الخبز وأدام واحد، فاختاروا الأُتْرُج!، وسئلوا عن ذلك، فقالوا: لأنه في العاجل ريحان، ومنظره مفرح، وقشره طيب الرائحة، ولحمه فاكهة، وحماضه إدام، وحبه ترياق، وفيه دهن.. وفي الطب الحديث: يستخدم الأترج كفاتح للشهية، ومنبه للجهاز الهضمي، ومطهر ومضاد للفيروسات، وقاتل للبكتريا، ومخفض للحمى، ويستخدم كمضاد للبرد والأنفلونزا، وهو يقوي جهاز المناعة، كما يساعد في موازنة ضغط الدم.. وقيل أيضاً في سبب اختيار الأترج: أن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقترب منه الشياطين، وقيل أيضاً: غلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن.

%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d9%88%d8%ae%d8%a9

ثم ما من شيءٍ أصعب في شيخوخة الإنسان من أن يُردَّ إلى أرذل العمر، تدفعه زوجته أحياناً، يصيحُ به طفلٌ صغير، يتلقَّى من الإهانات ما لا تعد ولا تُحْصى، لكنَّ الذي يقرأ القرآن في شبابه يمتّعه الله بعقله حتى يموت.. فالقرآن كله بركة وخير، ويصل خيره معك إلى أحوج ما تكون إلى حسنة واحدة أو دفع سيئة واحدة، فقد قال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ، فإِنَّهُ يَأْتي يَوْم القيامةِ شَفِيعاً لأصْحابِهِ» (صحيح مسلم).

pills

ثم قد تشكر الطبيب، وتثني على علمه، وتصافحه بحرارة، وتدفع له الأجرة، وحينما لا تشتري الأدوية التي وصفها لك، فإنك لا تستفيد بشيء!، وهذا يسمى تكذيب عملي، وهو أخطر من التكذيب القولي .. ويصبح حاله كقوله تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (محمد:24).

%d8%ba%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d9%85%d9%88%d9%84%d8%b1

قصة إسلام (د. غاري ملير): كان من المبشِّرين، ولديه علم غزير بالكتاب المقدس، وكان يحب الرياضيات بشكل كبير.. في أحد الأيام أراد الذهاب إلى البلاد العربية، فحرص على قراءة كتاب العرب (القرآن)، بقصد أن يجد فيه بعض الأخطاء التي تعزِّز موقفه عند دعوته العرب للدين النصراني، فكان يتوقع أن يجد القرآن كتابًا قديمًا مكتوبًا منذ 14 قرنًا، يتكلم عن الصحراء وما إلى ذلك، لكنه دُهِش لما وجده فيه، واكتشف أن هذا الكتاب يحتوي على أشياء لا توجد في أيِّ كتاب آخر في هذا العالم، وكان يتوقع أن يجد بعض الأحداث العصبية التي مرت على النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل وفاة زوجه خديجة رضي الله عنها، أو وفاة بناته وأولاده، لكنه لم يجد شيئًا من ذلك، بل الذي جعله في حَيْرة من أمره أنه وجد أن هناك سورة كاملة في القرآن تسمَّى (سورة مريم)، وفيها تشريف لمريم عليها السلام لا يوجد له مثيل في كتب النصارى، ولا في أناجيلهم! ولم يجد سورة باسم عائشة أو فاطمة رضي الله عنها. وكذلك وجد أن عيسى عليه السلام ذُكِر بالاسم 25 مرة في القرآن، في حين أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يذكر إلا خمس مرات فقط، فزادت حيرة الرجل.. أخذ يقرأ القرآن بتمعُّنٍ أكثر لعله يجد ما يؤخذ عليه، ولكنه صعق بآية عظيمة وعجيبة ألا وهي: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء:82).. يقول: “من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبدأ إيجاد الأخطاء، أو تقصِّي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها، والعجيب أن القرآن يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه، ولن يجدوا، ثم لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلِّف كتابًا ثم يقول: هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس تمامًا يقول لك: لا يوجد أخطاء، بل يعرض عليك أن تجد فيه أخطاء، ولن تجد، فكانت النتيجة لديه: كيف لرجل أمِّيٍّ عاش قبل 1400 سنة أن يعلم كل هذا، لولا أنه متصل بالوحي من السماء؟! فسبحان الله!!. %d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-2

قال تعالى: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ” (الزمر:23).. لا نريد أن نعيش مع القرآن على أنه كتاب للرقية الشرعية أو لقضاء الحوائج أو في العزاء والمصائب، بل نعيش مع القرآن على أنه منهج حياة، وأنه المنطلق لكل نية وقول وفعل.. سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؟، قَالَ: “مَنْ إِذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ، رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ (رواه الطبراني).. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم” الحاكم في المستدرك.

%d8%ae%d8%b7%d9%88%d8%a9

الإسلام خطوتان بسيطتان، الأولى: أن تؤمن بأن هناك إله خلقك بغض النظر عن المشاكل في حياتك، الخطوة الثانية: أن أعمل الأمور التي يطلبها مني؛ لأثبت صدقي مع الخطوة الأولى.. إن فعلت ذلك، تكون قد فهمت معنى “أشهد أن لا إله إلا الله” و”أشهد أن محمداً رسول الله”.

%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1

اللهمَّ ارحمنا بالقرآن، واجعله لنا إماماً ونوراً، وهدىً ورحمة.. اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، واجعله حجةً لنا لا علينا يا رب العالمين.. اللهمَّ اجعل القرآن لنا في الدنيا قريناً، وفي القبر مؤنساً، وفي القيامة شفيعاً، وعلى الصراط نوراً، وفي الجنة صاحباً، ومن النار ستراً.

جمع وترتيب د. أبو عبيدة العطار

1 responses on "القرآن الكريم : حياة القلوب :"

  1. جزاك الله خيرا دكتور ، مقال رائع عن القرآن الكريم ،
    وأنا أقرأ المقال تبادر إلى ذهني الآية الكريمة :
    لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
    إذا كان الجبل على صلابته وقسوته سيتصدع من عظمة القرآن و ثقله، فكيف ذاك ب قلب الإنسان الضعيف ،أليس حري بنا أن تتفطر قلوبنا لسماع آياته البينات ؟!
    اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ذكرنا منه ما نَسيناه، وعلمنا منه ما جهلناه، ووفقنا لتلاوته والعمل به آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0090673
Visit Today : 381
Visit Yesterday : 0
Total Visit : 90673
Total Hits : 1770515

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020