تفريج الكربات

قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص/77)، كل إنسان عنده مشكلة: شاب يبحث عن عمل، هذه مشكلة، هذا يبحث عن زوجة، مشكلة، هذا زوجته شقية، مشكلة، هذا دخله قليل، مشكلة، هذا مديون، مشكلة، هذا مريض، مشكلة، هكذا هي حياة البشر، فلست لوحدك عندك مشكلة، بل الجميع، والأهم منها أن هكذا أراد الله تعالى أن تكون حياة البشر!، لماذا؟؛ لأننا في دار ابتلاء، لا في دار جزاء، نحن في دار تكليف، لا في دار تشريف، نحن في دار عمل، لا في دار أمل.

قال صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريلُ عليه السَّلامُ، فقال: يا محمَّدُ!، عِشْ ما شئتَ، فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ، فإنَّك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ، فإنَّك مجزِيٌّ به، ثمَّ قال: يا محمَّدُ!، شرفُ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاسِ” (الطبراني/ صحيح).

فالموفق من تعامل مع الحياة بقاعدة: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، فالمشكلة الحقيقة هي اختياراتنا، فمن قدم الآخرة على الدنيا، كسب الدنيا والآخرة، ومن قدم الدنيا على الآخرة، خسر الدنيا والآخرة، ولذلك قال علماء العقيدة: لا يجوز أن تقول: الله ضار، مع أن الضار من أسماء الله الحسنى، قل: ضار نافع، أي أنه يضر لينفع، ولا يجوز أن تقول: الله خافض، فقط، مع أن الخافض من أسمائه الحسنى، قل: خافض رافع، يخفض ليرفع، لا يجوز أن تقول: الله  مذل، مع أن المذل من أسمائه الحسنى، قل: مذل معز، يذل ليعز.

أيها الإخوة الكرام، إذا كان الحال هكذا، فكيف النجاة؟، إنه قانون الفَرَج: قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} (الطلاق/3)، فمن اختار زوجة لدينها، كانت له مخرجاً من الشقاء الزوجي، اختر زوجة تعرف ربها؛ لأنها أم أولادك، الزوجة جنة أو نار، حتى قال أحد العلماء في قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة/201)، قال: حسنة الدنيا هي الزوجة الصالحة.

وقس عليها كل شيء، مثال آخر: ومن يتق الله في تربية أولاده؛ يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، قال الفاروق عمر رضي الله عنه: أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة، إلا رجاء ولد صالح ينفع الناس من بعدي، لماذا؟؛ لأن الولد ثروة كبيرة.

أيها الأحبة، الأمر الثاني الخطير، وهو أنه ما مرَّ في تاريخ المسلمين زمن أصعب من هذا الزمن، فنحن متّهمون بعقيدتنا بأخلاقنا، يطلقون علينا أوصاف: متخلفون، إرهابيون، قتلة، فما الحل؟، الحل بكلمتين من كتاب الله تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} (آل عمران/120)، عدنا مرة أخرى إلى تقوى الله تعالى، فهي مفتاح تفريج الكربات.

أحدنا يحتاج من الآخرين أن يفرجوا كربه، والأمر بين يديه، بجعل حاجته إلى الخلق فقط دون الخلق، فالآية الكريمة واضحة: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، هذه الآية الكريمة من اللطائف أنها وردت في سورة الطلاق، هذا الطلاق الذي أقلق الناس وأفسد المجتمع، هذا الطلاق حله بسيط، لو بنى الزوج والزوجة بيتهم على قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}.  

الخطبة الثانية:

جاء شاب إلى إمام المسجد، فقال: يا شيخي، ما معي شيء، وأنا في سن الشباب، أتمنى أن أعمل، أتزوج، بيت، سيارة، لكنني أعمل في محل تجاري، قال له الإمام: ماذا أقول لك غير اتقِ الله، ابتسم الشاب ابتسامة صفراء، كأنه يقول: اتق الله أين أصرفها؟، قال الشاب: يا شيخي، هل من غيرها؟، قال إمام المسجد: ما عندي أعظم منها، إن أخذت بها، أخذت بكنز عظيم.

عاد الشاب وهو يفكر بالنصيحة، ثم أخذها على محمل الجد، فأصبح يحرص على دوامه، يغض من بصره عن النساء، لا يكذب، بل ينصح الزبائن، يعمل في المحل، كأنه هو مالك هذا المكان، أعجب به صاحب المحل، وكل أصدقائه يقولون له: ما شاء الله على الشّغيل لديك، هنيئًا لك، إنه غنيمة باردة!.

صاحب المحل، أصبح يفكر، لماذا لا أستثمر هذا الشاب في حياتي أكثر، فلدي ابنة وحيدة، وهي قرة عيني من هذه الدنيا، وأنا في حيرة من يحافظ عليها بعد موتي، هذا الشاب قد نجح في الحفاظ على مالي، فهو أقدر على الحفاظ على عرضي.

زوجه من ابنته، وأسكنه معه في بيته الكبير، فليس فيه أحد إلى صاحب المحل وابنته، حضر إمام المسجد الجاهة، فأقبل نحوه العريس الشاب، وقال: يا شيخي، هل تتذكرني، وتتذكر نصيحتك لي، ابتسم الإمام وقال: اتق الله، قال الشاب: نعم، وصدق الله العظيم: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}.

أحبابي الكرام، نهاية المطاف بنا إما إلى روضة أو حفرة!، يقول البراء بن عازب رضي الله عنه كنا في جنازة في البقيع، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس معنا، كأن على رؤوسنا الطير، فقال صلى الله عليه وسلم: “أعوذ بالله من عذاب القبر”، ثلاث مرات، “يسأل العبد عن ثلاث: من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟، فالمؤمن، يفتح له باب من الجنة، يأتيه من نعيمها، ويوسع له في قبره، والكافر، فتح له باب من النار، يأتيه من عذابها، ويضيق عليه في قبره”، فاللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، وأن لا تدع لما في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، وكربًا إلا نفسته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته.. آمين.   

دمتم سالمين

د. أبو عبيدة العطار

13/01/2023

0 responses on "تفريج الكربات"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0253069
Visit Today : 597
Visit Yesterday : 1678
Total Visit : 253069
Total Hits : 3920881

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020