خطبة: الحياة الطيبة

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل:97)، الآية الكريمة واضحة بأن الحياة الطيبة معادلة ربانية = عمل صالح + إيمان.

ذكر العلماء والمفسرون مفاتيح للحياة الطيبة، لكن قد يكون من أعمقها: القناعة، فمن قنعه الله بما قسم له، لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يتكدر فيها عيشه، قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (الشورى/20).

وقال صلى الله عليه وسلم: “من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ، وجمعَ لَه شملَهُ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ، جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ، وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ” (الترمذي/ حديث صحيح).

أيها الإخوة الكرام، المتابع لحال العالم اليوم، يرى ازدياد في التكنولوجيا والرفاهية والانفتاح على الملذات، فالمنطق أن تزيد الحياة الطيبة، لكن الواقع، أنه ازدادت نسبة الجريمة مع تطور التكنولوجيا، وازدادت المصحات النفسية مع تعدد الرفاهية، وازدادت حالات الانتحار مع الانفتاح على الملذات.

أيها الأحبة، نعود إلى الحياة الطيبة التي لا بد لتحصيلها من أمرين، الأول: الإيمان، والثاني: عمل صالح، فالأول وهو الإيمان، أما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} (الرعد/34)، وقال الصحابي الجليل علي رضي الله عنه: رُكّب الملك من عقل بلا شهوة، وركبة الدابة من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته، أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله، أصبح دون الدابة.

والأمر الثاني للحياة الطيبة هو العمل الصالح، لو شخص سافر إلى بلد، سافر إلى فرنسا، ونام في أحد الفنادق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب؟!، هذا سؤال عجيب، أنت الذي جئت إلى فرنسا، وأنت الذي تعرف أين تذهب؟، فإن جئت طالب علم اذهب إلى الجامعات، وإن جئت تاجراً اذهب إلى السوق، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المتنزهات، متى يصح العمل؟، حينما تعرف الهدف، فهل يا مسلم ويا مسلمة هل تعرفون ما الهدف من وجودكم في هذه الحياة الدنيا، يوم تعرف ما هدفك؟، سيتوفق إلى العمل الصالح.

ولمعرفة الهدف من هذه الحياة؛ لنستمع إلى الإمام الحسن البصري رحمة الله، عندما سئل: ما سر المؤمن؟، قال: أربعة أشياء، علم أن رزقه لن يأخذه غيره، فاطمأن قلبه، وعلم أن عمله لا يقوم به سواه، فاشتغل به وحده، وعلم أن الله مطلع عليه، فاستحى أن يراه على معصية، وعلم أن الموت ينتظره، فأعد الزاد للقاء ربه.

الخطبة الثانية:

قال رجاء بن حيوة رحمه الله: لما كان عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة المنورة، قال: يا رجاء اذهب واشتر لي ثوباً ، فاشتريت له ثوباً ثمينًا ثمنه 500 درهم، ولما أتيته به ولمسه بيده، قال : هو جيد لولا أنه رخيص الثمن!، قال رجاء: وبعد سنين، صار عمر أميراً للمؤمنين، فقال لي: اشتر لي ثوباً، فاشتريت له ثوباً متواضعاً ثمنه 5 دراهم، ولما أتيته به، ولمسه بيده، فاجأني بقوله: هو جيد لولا أنه غالي الثمن، تعجبت كيف يكون الثوب الذي اشتريته له في المدينة من سنوات بـ 500 درهم رخيص الثمن، والثوب الذي اشتريته الآن بـ 5 دراهم غالي الثمن!، فتأثرت وبكيت، فقال عمر: ما يبكيك؟، فأخبرته، فقال لي: يا رجاء، إن لي نفساً تواقة، كلما حققت شيئاً، تاقت إلى ما بعده، فقد تاقت نفسي إلى ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك، فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة، فوليتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة، فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة، وأرجو أن أكون من أهلها!.

ختامًا، نصيحة من ذهب، قال أحد الصالحين: لن تعرف الحياة الطيبة، إن لم تعش مع القرآن الكريم.

دمتم سالمين

د.أبو عبيدة العطار

0 responses on "خطبة: الحياة الطيبة"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0142086
Visit Today : 1191
Visit Yesterday : 1445
Total Visit : 142086
Total Hits : 2798490

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020