خطبة *العفو والصفح*

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التغابن/14)، نزلت في الصحابي الجليل عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، فقد كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو، بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟، فيرق لهم، ويقيم، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة.

والفرق بين العفو والصفح والمغفرة، أنها مراتب المسامحة الثلاث، فمن أساء إلينا: يغضب منه قلبنا ولساننا وأيدينا، فمع القلب نزلت قيمة المسيء، ومن اللسان لوم وعتاب، ومع اليد عقوبة وأخذ الحق، والمسامحة تكون عن هذه الثلاث، الأولى: مسامحة اليد، بأن لا نعاقب، وهذا العفو، لكن يبقى غضب اللسان والقلب، والثانية: المسامحة عن اللوم، وهذا الصفح، لكن يبقى غضب القلب، والثالثة: مسامحة القلب، وهذه المغفرة.

صفوان بن أمية رضي الله عنه، قبل إسلامه، فرّ يوم فتح مكة المكرمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هدر دمه، فجاء الصحابي الجليل عمير بن وهب رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، إن صفوان سيد قومه، قد خرج هارباً؛ ليقذف بنفسه إلى البحر، فأمنه يا رسول، فقال عليه الصلاة والسلام: “هو آمن”، قال عمير: يا رسول الله، أعطني آية، يعرف بها أمانك؟، أعطاه النبي عمامته التي دخل بها مكة، فخرج عمير حتى أدرك صفوان، وقال: الله اللهَ يا صفوان في نفسك أن تهلكها، هذا أمان رسول الله قد جئتك به، فإن رسول الله خير وأبر وأحلم الناس، عزه عزك، وشرفه شرفك، فرجع صفوان معه، حتى دخل به على رسول الله، فاعتذر صفوان للنبي، وقال: اجعلني في الخيار شهرين، فقال عليه الصلاة والسلام: “أنت في الخيار أربعة أشهر”، ثم ما لبث أن جاء صفوان مسلمًا، والحمد لله، كل هذا من سعة عفو معلمنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم.

أيها الأخوة الكرام، متى نعفو؟، العفو يحدده أمران، الأول: مقدرة المجني، والثاني: توبة الجاني، أما الأولى، إن كانت الجناية فردية، جاز للمجني أن يعفو، ويطلب العوض من لله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى/39)، أما كانت الجناية متكررة، فلا عفو إلا بعد المقدرة؛ لأن هذا تشجيع للظلم، فمثلًا: لو أن شاباً متهوراً في قيادة السيارة، إذا عفونا عنه، أغريناه بمتابعة هذه الحماقة، فهذا عفو لا يصلحه، بل يفسده.

والحالة الثانية: توبة الجاني، فإن تاب وكان صادقًا، كان من خلق المؤمن العفو، ويأخذ بنصيحة الأحنف رحمه الله، فقد قال: إياكم ورأي الأوغاد؟، فقيل له: وما رأي الأوغاد؟، فقال: الذين يرون الصفح والعفو عاراً وحمقاً.

وإن لم يتب الجاني، فلا بد من العقوبة، كالشاعر أبي عزة الجمحي، فقد أسر يوم بدر، فقال: يا سول الله، لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني ذو حاجة وعيال، فامنن عليَّ، فمنَّ عليه صلى الله عليه وسلم، وأخذ عليه العهد ألا يظاهر عليه أحداً، لكن الشقي نقض العهد، وعاد إلى ما كان عليه من هجاء المسلمين، فقدّر الله تعالى أن وقع في الأسر يوم أُحُد، فقال: يا رسول الله، لا تقتلني وامنن عليَّ، ودعني لبناتي، وأعاهدك ألا أعود!، رفض صلى الله عليه وسلم، وقال: “إن المؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين” (صحيح مسلم).

أيها الأحبة، هنيئًا لمن رزق نعمة العفو والصفح، ففي الدنيا، نال منزلة الإحسان، ومحبة الرحمن له: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران/134)، ثم أزاح الله تعالى عنه هم مصيبة تسمى “الحقد”، فالحقد بضاعة إبليس، وهو كانحباس المطر، يمنع الفرح والسرور عن قلب صاحبه.

وفي الآخرة، يكفي صاحب العفو والصفح، قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وهوَ قادِرٌ على أنْ يُنْفِذَهُ؛ دعاهُ اللهُ سبحانَهُ على رُؤوسِ الخَلائِقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرَهُ مِن الحُورِ العِينِ ما شاءَ” (ابن ماجه/ حسن لغيره).

الخطبة الثانية:

ذهب الصحابي الجليل عبد الله بن سعود إلى السوق، ووضع دراهم في عمامته، فلما اشترى وجد أن عمامته قد حُلّت، وسرقت الدراهم، فجعل الناس يدعون على من أخذها، فقال رضي الله عنه: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة، فبارك له فيها، وإن كان حمله على أخذها الذنب، فاجعلها آخر ذنوبه.

ونام حاج في المسجد الحرام، وماله في حزام شده حول بطنه، خاف أصحابه على المال، فأخذوه وانطلقوا إلى خيامهم، فلما استيقظ الرجل لم يجد المال، ورأى مصل قريب منه، فأمسك به، وقال: فعلت فعلتك، ثم قمت تصلي، قال المصلي: ما تقول؟، فأخبره الرجل، فقال المصلي: هل علم أحد بهذا؟، قال الرجل: لا، قال المصلي: انطلق معي لتأخذ المال، ثم عاد الرجل إلى أصحابه وأخبرهم، قالوا له: ويلك، لقد ظلمت المصلي، وأخبروه بما حصل، ثم ذهبوا يبحثون عن المصلي، فإذا هي فضيحة أخرى!، ظهر أن المصلي هو فقيه مكة عطاء بن أبي رباح رحمه الله، فوقع القوم في حرج شديد، وأصبح الرجل ينشد الله عطاء العفو والصفح، حتى قال عطاء: بشرط، قال الرجل: لك ما تريد، قال عطاء: أن تأخذ المال هدية مني!، ما أحوجنا إلى أناس يعلموننا الأخلاق بأفعالهم: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت/34).

دمتم سالمين

د. أبو عبيدة العطار

0 responses on "خطبة *العفو والصفح*"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0142062
Visit Today : 1167
Visit Yesterday : 1445
Total Visit : 142062
Total Hits : 2797962

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020