خطبة الغضب

قال تعالى: {‏قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏ (‏الأعراف/12)، فإن شأن الطين السكون والوقار، وشأن النار والحركة والاضطراب‏، فعندما أخطأ صاحب الطين استغفر وتاب، وعندما أخطأ صاحب النار استكبر وأبى.‏

هذا هو الغضب، فهو عدو العقل، وقد قيل: اتقوا الغضب، فإنه يفسد الإيمان، كما يفسد الخل العسل.

يأتيك أحدهم سريع الغضب، فيقال له: لا تغضب، فيقول: لا أستطيع، غصبن عليّ أغضب، وهذه الكلام غير صحيح، أما جاء رجل إلى النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسول الله، أوْصِنِي، قالَ: “لا تَغْضَبْ”، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قالَ: “لا تَغْضَبْ” (صحيح البخاري)، ولو كنا لا نملك أنفسنا عند الغضب، لما كلفنا النبي صلى الله عليه وسلم بترك الغضب، فالشرع كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة/286).

وعكس الغضب الحِلم، والحلم مكسب والغضب مخسر، فلو أن شخصًا ما أغضبك، ورزقك الله تعالى الحلم، فإن كان هذا الشخص فيه الخير، سيراجع نفسه، ويأتي معتذرًا، فتكون في النهاية كسبت أخًا في الله تعالى، بينما لو أنك غضبت منه في الدنيا؛ لخسرته، فضلًا على الأجر العظيم في الآخرة.

ولو أن شخصًا ما أغضبك، ورزقك الله تعالى الحلم، فإن كان هذا الشخص لا الخير فيه، فاسترحت منه، ولو أنك غضبت، ستكون الخسائر كثيرة، فضلًا وحقك في الآخرة محفوظ.

خطورة الغضب أنه من الأخلاق الكامنة، أي تخرج عند المواقف والشدائد، فمثلًا، لا تعرف نفسك شجاع أو جواد أو حليم إلا عند المواقف، ولا تعرف نفسك أنك عصبي أو متهور أو جبان إلا عند المواقف.

فهذه الأخلاق تحتاج إلى تدريب النفس، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس). ذهب إلى الحكيم، وقال له: النفس مثل الباطوس (وهو سلة النفايات) كلما نبش ظهر وخرج، فما العمل؟، قال الحكيم: أسقف عليها، واعبرها، ولا تشتغل بنبشها، فكلما نبشت شيئًا ظهر غيره. مثلما نذهب إلى الطبيب، لن يكون أعد منا إلا ولديه مرض أو عيب في الجسد، ولو فتحنا هذا الباب، لن ننتهي من الأطباء والعلاج.

قال حكيم: الغضب كالسبع، إن فككته، بدأ بك.

الخطبة الثانية:

قال تعالى: { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} (سورة ق)، وقال صلى الله عليه وسلم: “مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ” (صحيح مسلم). وبداية الغضب تبدأ من اللسان، فمن وفق فأمسك لسانه، فهو على ضبط غضبه أقدر، ومن ترك لسانه في الغضب، فهو كالشرارة التي تطلق الانفجار.

وانتشر بيننا غضب الدعاء باللعن: قال عمران بن حصين رضي الله عنه: بيْنَما رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ علَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذلكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقالَ: “خُذُوا ما عَلَيْهَا وَدَعُوهَا؛ فإنَّهَا مَلْعُونَةٌ” (صحيح مسلم)، فالناس في سفر، والسفر قطعة من العذاب، يسير الناس فيه بحفظ الرحمن، فهم أحوج ما يكونوا إلى حفظ ومعية الله تعالى، فإذا كان معهم من هو مطرود من رحمة الله، فهم في خطر عظيم.

وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تدْعوا على أنفسِكم، ولا تدْعوا على أولادِكم، ولا تدْعوا على خَدَمِكم، ولا تدْعوا على أموالِكم، لا تُوافقوا من اللهِ ساعةَ نيْلٍ فيها عطاءٌ، فيُستجابَ لكم” (أبو داود – حديث صحيح).

دمتم سالمين

د. أبو عبيدة العطار

0 responses on "خطبة الغضب"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0138403
Visit Today : 432
Visit Yesterday : 1466
Total Visit : 138403
Total Hits : 2754000

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020