خطبة: الفتنة أشد من القتل

قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة/191)، وقال مجاهد رحمه الله: ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل، وقصة سبب نزول الآية الكريمة، أن النبي عام 2 هـ، بعث سرية بقيادة عبد الله بن جحش رضي الله عنه ومعه 8 من المهاجرين إلى نخلة بين مكة والطائف؛ لرصد قريش ومعرفة أخبارهم، وصل الصحابة الكرام، فمرت بهم قافلة لقريش فيها أربعة من المشركين، أجمع رأي الصحابة على قتالهم، فرمى الصحابي الجليل واقد بن عبد الله رضي الله عنه عمرو بن الحضرمي بسهمٍ فقتله، فكان واقد أول من قتل مشركًا في الإسلام، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين في الإسلام، وأسر الصحابة اثنان، وهرب الرابع، ثم أقبل عبد الله وأصحابه بالعير والأسيرين إلى المدينة المنورة على رسول الله صل الله عليه وسلم.

اشتكت قريش إل النبي صلى الله عليه وسلم بأن القتال كان في اليوم الأول من شهر رجب، ورجب من الأشهر الحرم، والصحابة الكرام، قالوا: قتالنا كان في آخر يوم من شهر جمادى الآخرة، وبالمقابل أصحاب الفتن وهم اليهود تفاءلوا، فقالوا: واقد قتل عمرو بن الحضرمي، واقد أوقدت الحرب، وعمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، فخاب ظنهم بنزول الآية الكريمة: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}، أي جريمة قريش بفتنة المسلمين عن دينهم بالشرك، أشد عند الله تعالى من حرمة الأشهر الحرم.

أيها الأحبة، ما الفرق بين الكفر والشرك؟، الكفر ضد الإيمان، والشرك إيمان مخلوط مع كفر، كحال مشركي قريش، خلطوا بين عبادة الله تعالى، وعبادة الأصنام، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} (الزمر/3).

وليس هناك خوف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الكفر، إنما الخوف من الشرك، أما قال صلى الله عليه وسلم: ” تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهمِ” (الترمذي/ صحيح)، وما أكثرهم في زماننا، وبالمناسبة الزيادة: “تعس عبد الزوجة أو عبد المرأة” لم تثبت، وغير صحيحة.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الشَّيطانَ قد يئسَ أن يعبدَهُ المصلُّونَ، ولَكن في التَّحريشِ بينَهم” (صحيح مسلم)، ومن التحريش الغيبة والنميمة، فيروى أن رجالًا يريد شراء عبد، حتى يصبح مثل الأسياد، لكنه لا يملك مالًا كثيرًا، فذهب إلى السوق، وطلب من النّخاس، وهو الذي يبيع العبيد، عبد بسعر زهيد، قال النخاس: لا يوجد عندي، غير هذا العبد، لكنه فيه عيب منفر، وهو أنه نمّام!، لم يبالي الرجل واشتراه، وبعد مرور أيام، قال العبد لزوجة الرجل: هل تريدن امتلاك قلب زوجك، أحضري لي شعرات من لحيته، وافقت المرأة، ولما عاد الرجل، استقبله العبد، وقال: سيدي امرأتك تريد قتلك، اذهب وتظاهر بأنك نائم، وسترى أنني صادق، تظاهر الرجل بالنوم، وإذا بزوجته الساذجة تأتي ممسكتاً بسكين، ومدتها لعنقه؛ لتأخذ من لحيته، قام الرجل وقتل زوجته، ذهب العبد لأهل الزوجة، وقال: أنقذوني، سيدي قتل زوجته، ويريد قتلي، وتركهم وذهب إلى أهل الرجل، وقال: قوموا معي لننصر سيدي؛ لأن زوجته أرادت قتله وقتلها، وقام أهلها لقتله، فقامت الفتنة، ودارت الحرب بين القبيلتين.

“تحريك الوتد”، شعار للذين يثيرون الفتن، وها قد رأينا قبل أيام، استشهاد أصحاب الواجب على أيدي هؤلاء المجرمين، محركي الوتد، فما المقصود بتحريك الوتد؟، في قصة رمزية، كان إبليس مع ابنه، فعطش ابنه، وكانوا بجوار قبيلة، قال إبليس لابنه: اذهب ولا تحدث شيئًا في القرية، ذهب إبليس الصغير، وشرب الماء، ولما هَمّ بالعودة رأى وتدًا مربوط بها ماعز، وهناك امرأة تحلبها، حرك إبليس الصغير الوتد فقط!، فهاجت الماعز وسكبت الحليب من الدلو، فغضبت المرأة وضربت الماعز بعصا، فضربتها، فجاءت الضربة على مَقْتل، فماتت الماعز، رآها زوجها، فأقبل وهو غاضب، فأخذ العصا، فضرب زوجته، فجاءت الضربة على مقتل، فماتت الزوجة، ورآها قومها، فجاؤوا ومعهم عصيهم، فرآهم قوم الزوج، فجاؤوا ومعهم عصيهم، وتقاتل القوم، عاد إبليس الصغير لأبيه، فسأله أبوه: هل كنت سببًا بهذا الشجار، قال إبليس الصغير: أبدًا، أنا حركت الوتد فقط!، وما أكثر الذين يحركون الوتد.

يقول محمد بن سيرين رحمه الله: إنَّ أكثر الناس خطايا أكثرهم ذكرًا لخطايا الناس.

الخطبة الثانية:

قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}، في الجاهلية: فتاة بريئة، عمرها سنوات قليلة، يأخذها أبوها، ويحفر لها حفرة، ويدفنها وهي حيّة، هل من عمل في الدنيا أشدُّ وحشيةً من هذا العمل؟، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)} (سورة التكوير)، أما اليوم: بنت في الثامنة عشرة من عمرها أو أكثر، كل شيء فيها ظاهر للناس، تمشي في الطريق شبه عارية، تفتن الشباب، هذا الأب أو الأخ أو الزوج الذي أطلق لها العنان، أليس عمله أشدُّ من الأب الذي قتل بنته في الجاهلية؛ لأن أب الجاهلية، قتل ابنته فدخلت الجنة، أما الأب المتحرر، تركها تدخل النار.

قال حكيم: في هذه الأيام مع البرد، نجد النساء تغطي رأسها خوفًا من البرد، أليس الأولى بها أن تغطي رأسها خوفًا من الله تعالى، وطمعًا في رضاه.

دمتم سالمين

د. أبو عبيدة العطار

0 responses on "خطبة: الفتنة أشد من القتل"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0253151
Visit Today : 679
Visit Yesterday : 1678
Total Visit : 253151
Total Hits : 3921634

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020