خطبة الورع أعلى مراتب الإيمان

قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر/4)، هذه الآية الكريمة هي أصل في الورع، قال العلماء: كما لا تدنس ثوبك من النجاسة، فلا تدنس نفسك بالمعصية، قال مجاهد رحمه الله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي طهِّر نفسك من الذنب، فكنَّى عن النفس بالثوب، والعرب تقول للرجل إذا كان صالحاً: إنه طاهر الثياب، وإذا كان فاجراً: إنه خبيث الثياب.

السؤال المباشر: كيف أصبح ورعًا؟، بكل بساطة: اصنع لك هدف كبير، وعش من أجله، فمن له هدف كبير، ليس عنده وقت لسفاسف الدنيا وأهلها، وهذه حقيقة، وهي أنك حينما تختار هدفاً كبيرًا، أنت أسعد الناس؛ لأن هذا الهدف الكبير يأخذ كل وقتك، قال عليه الصلاة والسلام: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، ويَكرَهُ سَفْسافَها” (حديث صحيح)، ونحن عندنا هدف كبير اسمه: الجنة!.

لنأخذ هذا المثال، أليس عندما تقرأ كتاب وتستمتع به، ألا تنسى نفسك، ولا تفكر في شيء، بل تجد نفسك تعيش مع أحداث الكتاب، انتقلت بالزمان والمكان إلى داخل الكتاب، وكذلك المؤمن مع الله تعالى!.

مثال آخر: الطالب الجامعي قد يستمر الامتحان ساعات، لكن لا يخطر في باله طعام أو شراب أو أصدقاء أو مشاكل، كل شيء متجمد؛ لم؟؛ لأنه أمام امتحان مصيري، ونحن كذلك أمام امتحان مصيري: إما جنة عالية أو نار هاوية.

أيها الأحبة، الورع ليس في القلب فقط، إنما الورع الصادق ينعكس على الظاهر، والورع الظاهر معناه: لا يتحرَّك إلا لله تعالى، فالمؤمن الصادق، كلامه ونظراته وسماعه، ودخوله خروجه، وعطاؤه منعه، كل شيءٍ يفعله لله تعالى، كما أحد الصالحين: كانت لي جاهلية كبيرة، ثم تبت إلى الله تعالى، واصطلحت مع مولاي، ثم تزوَّجت، والله ساعة مع الزوجة تعدل آلاف البغايا، فيا سبحان الله.

قال حكيم: من رزقه الله الورع، صار من الزاهدين، ومن صار من الزاهدين رزق الرضا، ومن رزق الرضا صار من أولياء الله تعالى.. اللهم اجعلنا منهم.

الخطبة الثانية:

قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك/2)، قيل: ما الحكمة من تقديم الموت هنا؟، قال العلماء: لأن الأصل العدم، ثم بعد ذلك جاءت الحياة، بمعنى قبل مائة سنة أين كنا جميعا؟، غير موجودين، ثم أصبحنا أحياء، أحياء لا نموت، نعم، فكما قلنا: إما حياة في جنة عالية، أو حياة في نار هاوية، وتذكر تكملة الآية الكريمة، {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، فما الحكمة لم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملا؟؛ قال العلماء: لأن العبرة “الإخلاص” في العمل، لا بكثرته.

قال حكيم: الشيطان خبيث جداً، أولاً يزين للإنسان الكُفر، فإن لم يطعه، يزين له الشرك، فإن لم يطعه، يزين له الكبائر، فإن لم يطعه، يزين له الصغائر، فإن لم يطعه، يزين له المباحات، فيغرق العبد فيها، ومع حب وكثرة المباحات، سيحتك مع الناس، وهذا الاحتكاك سيولد الشحناء والبغضاء، وهذه الشحناء والبغضاء خطيرة على المجتمع المسلم، كخطورة الكفر والشرك والكبائر.

جاء رجل إلى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخبرْني بعملٍ إذا عملته أحبَّني اللهُ وأحبَّني الناسُ، فقال له صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: “ازهدْ في الدنيا يُحبُّك اللهُ، وازهدْ فيما عندَ الناسِ يُحبُّك الناسُ” (حديث ضعيف).

دمتم سالمين

د.أبو عبيدة العطار

0 responses on "خطبة الورع أعلى مراتب الإيمان"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0087543
Visit Today : 608
Visit Yesterday : 1044
Total Visit : 87543
Total Hits : 1706150

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020