خطبة وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ

قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت/34). {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك، وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الغِلظة. ومن صفاته صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: (ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح).

{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: هو الرجل يسب الرجل، فيقول الصالح: إن كنت صادقًا، غفر الله لي، وإن كنت كاذبًا، غفر الله لك.

{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}: قال مقاتل رحمه الله: نزلت في أبي سفيان رضي الله عنه، كان مؤذيًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبو سفيان قائد جيش المشركين في غزوة أحد وغزوة الأحزاب، وأمر بحصار المدينة في الخندق، ثم منّ الله تعالى عليه بالإسلام يوم فتح مكة، فاشترك مع المسلمين في غزوة حنين، ففقئت عينه، ثم فقئت الأخرى يوم اليرموك، فعمي، توفي عن 88 سنة، في العام 31 هـ، بل وصار أبو سفيان صهر النبي صلى الله عليه وسلم، بزواج النبي من أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، فقد تنصر زوجها ومات في الحبشة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم لخطبتها من النجاشي، وتزوجها سنة 7 هـ.

أيها الإخوة الكرام، هل في الأرض كلها رجل أشدّ عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي جهل؟، لكن حينما آمن عكرمة بن أبي جهل، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه الكرام: “أتاكم عكرمة مسلماً، فإياكم أن تسبوا أباه، فإن سبَّ الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت” (رواه الحاكم).

وذكر أن من الطلاب النجباء للشيخ ابن باز رحمه الله، شاب باكستاني، دخل ليلاً إلى بيت الشيخ للسرقة، فأمسكوه، فطلب الشيخ الحديث معه، فلما كلمه وعلم صدقه وأنه بحاجة للمال لعلاج والده في باكستان، أكرمه الشيخ وأطعمه، وأعطاه المال، بكى الشاب من الفرح، وطلب من الشيخ أن يكون خادمًا له، رفض الشيخ، وقال: بل أنت طالب علم عندي، وفعلًا، كان هذا الشاب يملك من الذكاء والحافظة، ما جعله من طلاب الشيخ المميزين، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

أيها الأحبة: (العفو) اسم من أسماء الله الحسنى، ففي صحيح البخاري: قال صلى الله عليه وسلم: “ما أحد اصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم، ويرزقهم”، سبحان الله، ولهذا كان من أكثر الأدعية وأعظمها التي يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم إنك عفو كريم تحب العفو، فاعفُ عني”.

قال ابن عبد البر رحمه الله: روي أن جارية لصفية أم المؤمنين، أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود، فإن لي فيهم رحما، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟، قالت: الشيطان، قالت صفية: فاذهبي، فأنت حرة لوجه الله تعالى.

لنتذكر دائمًا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ عبادِ اللَّه إلى اللَّهِ، أحسنُهُم خلقًا” (رواه الطبراني).

الخطبة الثانية :

مجموعة من الحجاج في المسجد الحرام، أرادوا العودة إلى خيامهم، أحدهم، لم يرد العودة، وقال: سأنام في المسجد، ثم أصلي، فلما نام، وأراد أصحابه الانطلاق، خاف أصحابه على مال الرجل، الذي كان يضعه كالحزام حول بطنه، فنزعوها عنه، وذهبوا، فلما استيقظ الرجل، انتبه أن الحزام مفقود، فنظر يمينًا وشمالًا، فلم ير إلا عطاء بن أبي رباح، قائمًا يصلي، فسار إليه، وقال له: يا عدو الله، فعلت الذي فعلت بي، ثم قمت تصلي، فقال عطاء: ما بالك يا هذا، قال الرجل: مالي، ابتسم عطاء، وقال: وكم مالك؟، قال: عشرة دنانير، فأعطاه عطاء المال، ثم ذهب الرجل إلى أصحابه، فأخبرهم الخبر، فقالوا له: ظلمت الرجل، كان من قصتنا كذا وكذا، وها هي نقودك، استحى الرجل، ثم ذهبوا إلى عطاء بن أبي رباح، وهو فقيه أهل مكة وسيدهم، فاعتذروا إليه، وسألوه أن يجعله في حل ويقبل الدنانير، فقال عطاء: هيهات، خاف القوم، فقال عطاء: لا أجعله في حل إلا بشرط، قال القوم: خيرًا، قال عطاء: أجعله في حل على أن يأخذ المال هدية مني.

هكذا هي أخلاق العلماء، فعطاء كان يصلي في المسجد الحرام، فجاءت إليه عباده أخرى، وهي حُسن الخلق، أما قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ المُؤمِنَ ليُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقِهِ درجةَ الصَّائمِ القائمِ”.

دمتم سالمين

فريق د.مجدي العطار

0 responses on "خطبة وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0087556
Visit Today : 621
Visit Yesterday : 1044
Total Visit : 87556
Total Hits : 1707282

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020