فضل الأعمال الصالحات في عشر ذي الحجة

قال صلى الله عليه وسلم: “ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ” (الترمذي/ صحيح)، من نعم الله تعالى علينا توالي مواسم الخيرات والبركات؛ فمن فاته موسم عوضه بآخر، كما قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ لربِّكُمْ في أيامِ دهرِكُمْ نفحاتٌ، ألا فتعرَّضوا لها” (الطبري/ ضعيف)، ومن هذه النفحات أيام العشر من ذي الحجة، وحتى نستثمرها نحتاج أولًا، إعادة فهمنا لها، فدعونا نقرأها بطريقة جديدة.

سئل أحد المربين: ما بال أبناؤنا لا يتقبلون الدين، وخاصة موضوع الصلاة؟، فأجاب: لأن وصول الدين للآخرين له طريقتين، الأولى فاشلة، والثانية ناجحة، أما الفاشلة أننا نربط الدين بالشعائر، فتصبح العلاقة مع الدين مجرد طقوس، والطريقة الناجحة أن نربط الدين برب العالمين، فتصبح العلاقة مع دين منهج حياة. ونحن ما زلنا نقرأ العشر من ذي الحجة، على أنها طقوس، ونجد صعوبة في فهم أنها خير أيام الدنيا؛ بن يفهم هذه القراءة إلا من كان شعاره: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} (الأعلى/17).

أيها الإخوة الكرام، قراءة أخرى للعشر من ذي الحجة: أنت عندما تقود السيارة، أمامك زجاج كبير، حتى ترى ما سيأتيك من الطريق، وهناك أيضًا أمامك مرآة صغيرة، ترى منها إلى الخلف، تخيلوا لو أن الأمر معكوس، بمعنى الزجاج الأمامي صغير، والمرآة الخلفية كبيرة، النتيجة؟، لن تستطيع أن تقود السيارة. وهكذا هي الحياة!، نركز على الأمام أي المستقبل، ونترك الماضي إلا شيء قليل؛ لأخذ العبر والعظة، والآن دعونا نطبق هذه الفكرة على هذه الأيام المباركة، فقد آن لنا أن ننسى الماضي من المعاصي والتقصير بالطاعات، وننظر إلى المستقبل وهي جنة كبيرة، عرضها السماوات والأرض، ثم .. وما يدريك؟، أن تكون هذه السنة الأخيرة لنا مع هذه الأيام المباركة!، مات فلان، ترحموا عليه، فهل فلان رحم نفسه، وأعدها للقاء ربها سبحانه؟!.

أيها الأحبة، أعجبي قصة ذكرها الشيخ عمر عبد الكافي حفظه الله، فقال: أصابتني مشكلة كبيرة، فلجأت إلى شيخي إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، فقال لي كلمة لا أنساها، قال الشيخ الشعراوي: على من تتكل؟، فقلت: على الله تعالى!، فقال الشيخ الشعراوي: وهل الرحمن الرحيم يترك، والذي خلقك ينساك؟!، ونحن أيها الأحبة، ما الذي يبعدنا عن ربنا سبحانه وتعالى: الدنيا، الشيطان، المال، الأولاد، أليس كل ما ذكرنا كله بيد الله تعالى، أما قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل/62).

الخطبة الثانية

أيها الأحبة، لنقوم بهذا المقياس لإيماننا، لو جاءك مسلم مضطهد، وما أكثرهم في زماننا، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، أُخرج من بلده مع عائلته، وطلب منك مأوى لأطفاله، ماذا ستفعل؟، البعض منا سيتحرك فيه الإيمان، ويعطيه 10 عشرة دنانير مثلًا، ومن إيمانه أشد، سيقول له: تفضل بالمبيت عندي للصباح، وبعدها فرج، لكن بصدق، من منا سيقول له: تفضل للعيش معي في بيتي، مناصفة بيني وبينك؟!، من يفعلها منا؟!.

لقد فعلها شعب كامل عظيم، اسمه الأنصار رضي الله عنهم، لقد تقاسموا مع إخوانهم المهاجرين بيوتهم وأموالهم، مع العلم، أن الأنصار لم يمض على إيمانهم إلا بضعة شهور، وشرائع الإسلام فرضت بعد الهجرة، فمثلًا الصيام فرض في السنة الثانية، وحرمت الخمر في السنة الرابعة، بمعنى شعب قدم هذه التضحية العظيمة، ومجازًا نقول: وهم لا يصومون، ويشربون الخمر؟!، فما مصدر الطاقة الإيمانية التي دفعت الأنصار إلى هذه التضحية، تضحية لم يسبق للبشرية أن قدمتها، إنه القرآن الكريم.

أي شخص عندما يمسك بكتاب، لن يستفيد منه، إذا لم يفهمه، وهذه واضحة، ولو سئلت: ما الكتاب الوحيد الذي تقرأه ولا تفهه؟، هل تعرفون الإجابة؟، للأسف القرآن الكريم، نحن نقرأ القرآن صحيح، لكننا لا نفهه، ونقصد بالفهم هنا، كفهم الأنصار رضوان الله عليهم.

ختامًا، إذا قرأنا القرآن الكريم، كقراءة الأنصار، بالتأكيد سنستثمر الأيام العشر من ذي الحجة، وستكون لنا خير أيام الدنيا.

دمتم سالمين 💐

د. أبو عبيدة العطار🧂

0 responses on "فضل الأعمال الصالحات في عشر ذي الحجة"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من نحن

نحن فريق مشرف على موقع تعليمي الكتروني
ونقدم كافة الخدمات والدورات التربوية والتنمية البشرية

عدد الزوار

0090667
Visit Today : 375
Visit Yesterday : 0
Total Visit : 90667
Total Hits : 1770390

المشتريات

top
جميع الحقوق محفوظة  © فريق د. مجدي العطار 2017- 2020